شرق أوسط جديد ترتسم حدوده من الشمال السوري

img

د . مهيب صالحة – كاتب وأكاديمي سوري / عميد سابق لكلية إدارة الأعمال aiu

منذ البدء بتنفيذ اتفاقات وتفاهمات دولية وإقليمية تمخضت عن مسار أستانا ، الذي حل محل مسار جنيف ، ونحن ننبه ونحذر من أن تجميع المعارضة الإسلامية للنظام السوري في محافظة إدلب في شمال غرب سورية ، على مساحة استراتيجية في غاية الأهمية ، يراد منه إما تقسيم سورية بين ثلاثة كونتونات واقعية ، الكونتون الكوردي شمال شرق سورية ، والكونتون السني شمال غرب سورية ، والكونتون العلوي في سورية المفيدة ، وربما كونتون درزي في الجنوب السوري . أو تحويل إدلب إلى بؤرة استنزاف لما تبقى من سورية قبل ٢٠١١ ، وربما إذا أرادت الولايات المتحدة الأمريكية ، في أية لحظة ، توريط روسيا وتركيا وإيران ، الدول الضامنة لاتفاقات وتفاهمات أستانا في الوحول السورية أكثر ، أن تصبح إدلب بؤرة استنزاف للجميع . ويكون الرابح الإقليمي الأكبر هو إسرائيل ، وتتمكن أمريكا من وضع نهايات لمصلحتها في الملفات الساخنة مع روسيا وإيران وتركيا .

فمن ضمن تفاهمات أستانا وسوتشي بين روسيا وتركيا هو تأمين منطقة عازلة خالية من السلاح الثقيل والمتوسط ومراقبة من قبل الدولتين ، وذلك لتأمين طريق حلب ـ دمشق وطريق حلب اللاذقية ، وتأمين المصالح الروسية في الساحل السوري . وأيضاً أن تقوم تركيا بإنهاء أي دور أو قوة لهيئة تحرير الشام ، النصرة سابقاً ، والتي تشكل قوة معطلة في المستقبل لأية تفاهمات سياسية للمسألة السورية ، عدا عن كونها مسؤولة عن الهجومات المتعددة على قاعدة حميميم الروسية في جبلة الساحلية . لكن تركيا لم تتمكن خلال المهل الممنوحة لها من تنفيذ تعهداتها والتزاماتها حيال المنطقة العازلة وجبهة النصرة ، والتي أخذت مقابلها سلفاً من شركائها في أستانا في كل من جرابلس والباب واعزاز ومارع وعفرين .

من الواضح ، في ظل هذا الوضع ، إن صبر روسيا على تركيا قد نفذ ، لذلك حركته بعمليات عسكرية محدودة في البداية وثم عمليات واسعة ، ظناً منها أنها بقلب معادلات إدلب تمارس ضغوطاً على تركيا لتنفيذ التزاماتها ، وترافق هذا مع ضغوط أمريكية على أنقرة من أجل التخلي عن صفقة منظومة الصواريخ الروسية S4oo

إلا أن الدقة جانبت الحسابات الروسية ، ولم تتمكن قوات النمر والفيلق الخامس والقوات الجوية الروسية من تعديل الخرائط على الميدان في إدلب وفي الريف الحموي الشمالي بسبب القتال الشرس هناك من قبل المعارضة الاسلامية ودعم تركيا لها بالمعلومات والأسلحة النوعية . مما اضطر روسيا لطلب الهدن من أجل إعادة حساباتها ، وتحشيد قوى إضافية من الميليشيات الإيرانية ومن قطعات الجيش السوري وخاصة من الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري المحسوبين على إيران . وتكون تركيا قد حسمت أمرها حيال صفقة الصواريخ الروسية. أما ما يتعلق بالتزامات تركيا في المنطقة العازلة وجبهة النصرة ، فباعتقادي أن تركيا لاتزال تبدي التزامها وستنفذه إذا ضمنت مصالحها في أية تسوية سياسية للمسألة السورية ، وبخاصة مطلبها الأساس إنشاء منطقة آمنة على طول حدودها مع سوريا ، فتقضي بذلك على فرصة نجاح الإدارة الذاتية شمال شرق سورية التي يروج لها حزب الاتحاد الديمقراطي الكوردستاني السوري التابع ، أيديولوجياً ، لحزب العمال الكوردستاني التركي الذي يتزعمه عبدالله أوجولان المعتقل في تركيا . وبسط نفوذها شمال غرب سورية حيث تتجمع الفصائل الإسلامية التابعة ، أيديولوجياً ، لحزب العدالة والتنمية الإخواني التركي الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان .

من هذا المنطلق ، فإن روسيا تلعب على حبلين ـ كما في السيرك ـ وبيدها عصا التوازن . فمن جهة أولى لم يتوقف التنسيق مع تركيا في ملفات إدلب ومنظومة الصواريخ وشمال غرب سورية على الحدود مع تركيا ، ومن جهة ثانية تحاول الضغط على تركيا من خلال ملف إدلب وشمال غرب سورية لتكسب في ملف الصواريخ . وفي الجهتين تمارس سياسة العصا والجزرة ، العصا في إدلب والجزرة في شمال غرب سورية ، لكي تحقق مكاسب في منظومة الصواريخ والمنطقة العازلة وجبهة النصرة . من هنا فإن الحرب الجارية في إدلب هي حرب بالوكالة يذهب ضحيتها السوريون من الطرفين ، الحكومة والمعارضة ، لتنفيذ أجندات خارجية روسية ـ تركية ـ إيرانية . وطالما الطرفان الروسي والتركي لا يخسران في لعبة إدلب فإن الواضح على السطح الخلاف بينهما ، لكن في العمق الاتفاق بينهما أقوى بكثير ، والمسألة مسألة وقت مرتبطة ، بتقديري ، بالتسوية النهائية ، التي ستكون من إخراج أمريكا وروسيا . وتركيا تدرك هذه المعادلة لذلك لا تريد قطع شعرة أردوغان مع أي منهما .

إن تركيا منذ الجولة الأولى لأستانا سعت أن تصبح هي الوحيدة التي تمثل المعارضة السورية ـ وهذا كان أحد أسباب انتكاس العلاقات التركية السعودية ـ وروسيا أبدت تجاوباً منقطع النظير مع رغبة تركيا ، لتمسك السعودية بهيئة المفاوضات وبالقرارات الدولية ، ولوقوفها جانب أمريكا في التحالف الدولي ضد داعش ومساندة الإدارة الذاتية شمال شرق سورية . لذلك كان الاتفاق الروسي التركي الإيراني على تجميع الفصائل الإسلامية في إدلب ومن جميع المناطق خارج سيطرة النظام ، بما فيها جيش الإسلام المدعوم من السعودية وفيلق الرحمن المدعوم من قطر من الغوطة الشرقية والقلمون الشرقي ، وشجع ذلك الخلاف السعودي القطري ، الذي اختارت تركيا الاصطفاف فيه إلى جانب قطر .

إن تجميع المعارضة الإسلامية في إدلب وشمال غرب سورية يسهل على تركيا ليس فقط بسط نفوذها على هذه المنطقة الحيوية والاستراتيجية من منظورها ، بل يساعدها على إدارة هذه المعارضة ، سياسياً وعسكرياً ، لما يخدم مصالحها في سورية ، ويجعلها لاعب أساس في المسألة السورية يحسب له حساب في أي حل أو تسوية دولية وإقليمية لها . وفي هذا السياق فإن هيئة تحرير الشام ، النصرة ، ما هي سوى مجرد ورقة تلعب بها تركيا ، من جهة في وجه شركائها في أستانا لتحسين شروطها التفاوضية معهم ، ومن جهة ثانية للضغط على الفصائل الإسلامية الأخرى وإرهابها لتبقى في الحضن التركي ولا تتحرك إلا بأمرته ، ومن جهة ثالثة استعمالها شوكة في خاصرة النظام السوري وخزانه الطائفي .

إن هدف روسيا من المنطقة العازلة أو منزوعة السلاح هو فتح وتأمين طريقي حلب ـ دمشق و حلب ـ اللاذقية الحيويين بالنسبة لربط مناطق سورية المفيدة من الشمال إلى الساحل وإلى الجنوب ، وتأمين مصالحها الحيوية في قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية على الساحل السوري ، وفي البادية السورية من الشرق تأمين مصالحها الحيوية في استغلال الموارد الطبيعية من نفط وغاز وفوسفات إنتاجاً ونقلاً وتسويقاً ، وقطع الطريق عن خطي الغاز القطري والإيراني المنافسين للغاز الروسي باتجاه تركيا والساحل السوري . لذلك فإن روسيا ستبقى تتمسك بالمنطقة العازلة وستعمل كل ما يمكن عمله ، عسكرياً وسياسياً ، من أجل الحصول عليها . وفي هذا السياق من غير المستبعد أن توسع روسيا عملياتها العسكرية في إدلب وريف حماه الشمالي ، ولكنها ستحافظ على حد توازن طبيعي فرضته هناك يمنع تطوير النزاع بينها وبين تركيا إلى درجة السقوط في الهاوية وانتهاء أيام العسل بينهما . كما يمنع فلت زمام المبادرة من يدها في العلاقة بين أنقرة ودمشق ، لذلك من غير المتوقع أن تسمح روسيا بحرب شاملة بين تركيا وسورية في منطقة إدلب والشمال الغربي . وبتقديري فإن الولايات المتحدة الأمريكية تنسق مع روسيا في هذا الصدد للحؤول دون تورط الأطراف الداخلية والإقليمية بخطوات غير محسوبة العواقب تؤدي إلى سقوط الهيكل على رؤوس الجميع . ومن هذا المنطلق فإن عملية عض الأصابع بين روسيا وتركيا ستستمر في الأيام والأسابيع القادمة طالما لم يتوصلا إلى تفاهم نهائي حول إدلب .

وطالما لم تتفق الإرادة الدولية على حل للمسألة السورية ستظل إدلب ، برأيي ، بؤرة استنزاف لجميع الأطراف الداخلية والخارجية المؤثرة والفاعلة فيها ، تنزاح بثقلها في جميع الاتجاهات : باتجاه الشمال الشرقي والإدارة الذاتية ، وباتجاه الريف الحلبي الشمالي والجنوبي ، وباتجاه حماه وحمص ، وباتجاه الساحل السوري . وما يهم تركيا هنا ألا يؤثر الصراع الدائر في إدلب على نفوذها في  المناطق التي تحتلها في ريف حلب الشمالي ، جرابلس والباب واعزاز وعفرين ومارع ، وستعمل كل ما يمكن لمنع تدهور علاقتها بروسيا التي أعطتها في سوريا ما لم تستطع أخذه من الولايات المتحدة الأمريكية سواء إبان إدارة أوباما أو أثناء إدارة ترامب الحالية . ولكن هذا لا يمنع من استخدام روسيا كل وسائل الضغط على تركيا خدمة لأجندتها في الشمال السوري ، وفي الوقت نفسه لا يمنع أيضاً من قيام تركيا بالرد أو الضغط على روسيا خدمة لأجندتها أيضاً . وفي هذا السياق تأتي التحركات العسكرية الروسية وعمليات إعادة الانتشار في منطقة تل رفعت وتحريك دوريات مشتركة مع وحدات حماية الشعب في منطقة الشهباء . ولكن إعادة الانتشار والتحركات والتعزيزات العسكرية المحدودة لا توحي بعمل عسكري قادم يغير موازين القوى المتفاهم حولها بين روسيا وتركيا في الريف الحلبي . وربما تكون التحركات العسكرية الروسية في تل رفعت هو من قبيل الضغط المزدوج ، على إيران لكي تخرج منها ، وعلى تركيا لتوقيف الدعم للمعارضة الإسلامية في جنوب إدلب وفي ريف حماه الشمالي .

إن منطقة تل رفعت تعتبر من أكثر مناطق الشمال السوري التي تتقاطع فيها مصالح الشركاء في أستانا . فكل طرف يستعملها للضغط على الأطراف الأخرى لتحقيق مآرب سياسية مؤقتة طالما الأمور لم تحسم بعد لا في الشمال ولا في كل سورية .فإيران تعتبرها حامية لنبل والزهراء وخسارتها تعني خسارة حلب ، وتركيا تعتبرها حامية لعفرين وشرطاً لاستقرارها ، وروسيا تستخدمها في التفاوض مع شركائها لكي تحصل على مكاسب إضافية تؤدي إلى حماية مصالحها في الساحل وشرقي حماه وحمص . والولايات المتحدة الأمريكية الموجودة في شمال شرق سورية تراقب الوضع عن كثب لتمنع تدهور الوضع في خاصرتها شمال غرب سورية .

لقد تزامن انعقاد قمة القدس الأمنية بين روسيا وأمريكا وإسرائيل مع فشل روسيا الذريع في ريفي إدلب الجنوبي وحماه الشمالي . ورغم كل ما قيل من أنه رشح عن القمة ، فإن المؤكد هو طلب روسيا من شركائها ممارسة الضغط على تركيا من أجل وقف دعمها للمعارضة الإسلامية ، وتنفيذ التزاماتها في أستانا وسوتشي ، في مقابل مساعدتهما على إخراج إيران من سورية ، أو أقله كمرحلة أولى ، من الجنوب السوري المحاذي للحدود الإسرائيلية مع سورية في الجولان السوري المحتل منذ حزيران ١٩٦٧ . وربما يعزز هذا التأكيد زيادة القدرات العسكرية الروسية مع إعادة الانتشار في تل رفعت والشهباء ، والتنسيق مع وحدات حماية الشعب الكوردية المدعومة من أمريكا للضغط على الميليشيات الإيرانية .

لقد سبق انعقاد قمة القدس بأسابيع نفي قطعي روسي لانعقاد هكذا قمة ، حيث كانت لاتزال روسيا تراهن على حصول تغيير في معادلات الشمال السوري تقوي مركزها التفاوضي في القمة ، ولتحفظ أيضاً ماء وجهها تجاه حلفائها الإيرانيين والسوريين ، لأن ما روجته وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية عن قمة القدس هو أنها ستبحث الملف السوري وخروج إيران من سورية . والسؤال هو : هل نجحت روسيا في أخذ ما تريده من شريكيها في القدس لتنفيذ ما أخذته من شريكها في سوتشي ؟؟

ربما اتفقت قمة القدس على إعادة تأهيل النظام السوري ، ولكن من دون الوجود الإيراني . وقد تكون روسيا حملت إلى القمة رسالة من طهران التي تبدي استعدادها لمبادلة وجودها العسكري في سورية برفع العقوبات الأمريكية والذهاب إلى المفاوضات بدون شروط مسبقة ، أو على اساس الاتفاق النووي المبرم مع إدارة أوباما والذي لاتزال روسيا تسانده ، وفي الوقت نفسه تحذر إدارة ترامب من الإقدام على خطوات غير محسوبة العواقب في نزاعها مع إيران . ومما لا شك فيه أن أمريكا لن تتسرع في الذهاب إلى حرب مع إيران وإنما تراهن على العقوبات الاقتصادية وعلى ما يمكن أن تتمخض عنها الشراكة مع روسيا في قمة القدس الأمنية .

إن تركيا التي تتقن اللعب على التناقضات الدولية والإقليمية في الملف السوري لن تنفذ التزاماتها التي قطعتها لشركائها في أستانا وسوتشي ، مهما يبلغ حجم الضغوطات التي يمكن أن تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ، إلا إذا حصلت على مقابل في شمال شرق سورية بانسحاب القوات الأمريكية من هناك وتوقيف الدعم لقوات سورية الديمقراطية وللإدارة الذاتية ، وقيام منطقة آمنة على طول الحدود مع سورية ، مع الاعتراف بنفوذها في شمال غرب سورية ومنع قيام وحدات حماية الشعب بعمليات عسكرية ضد قواتها في عفرين .

في ظل هذا التشابك المعقد للمصالح الدولية والإقليمية في الشمال السوري ، يبدو أن روسيا هي أكثر المتورطين فيه وأضعفهم لأنها تمارس سياسة احتواء بعديد محدود من القوات البرية الروسية ، وفشل رهانها على قوات النظام ، المتعبة ، على أرض الميدان يتطلب منها تقديم تنازلات لإيران إذا أرادت إشراكها في معارك إدلب وحماه ، أو تقديم تنازلات لأمريكا في شمال شرق سورية على حساب حليفها السوري مما يتناقض مع مطالب تركيا . وفي الوقت ذاته قد ينتج تحالفاً تركياً إيرانياً سورياً لمواجهة الكونتون الكوردي .

فقط في حالة واحدة تتمكن روسيا من انجاز أهدافها في الشمال السوري ، إذا كانت قمة القدس الأمنية تمخضت عن تأسيس منظومة أمنية إقليمية بقيادة إسرائيلية ورعاية أمريكية ـ روسية ، وعندئذِِ تصبح المواجهة مفتوحة مع إيران وتركيا لإخراجهما من الملف السوري . ولكن هذا ، إن حصل ، سيطيح بكل التحالفات السابقة في المنطقة ويؤسس لتحالفات جديدة ، تتمخض عنها بطبيعة الحال صراعات ومصالح جديدة ومن ثم ملفات جديدة ، وربما حروب جديدة . وسوف تزداد اللوحة الشرق أوسطية تعقيداً وغشاوة ، إذا أخذت صفقة القرن طريقها إلى الحياة وانقسمت دول المنطقة وقواها السياسية بين من معها ومن ضدها.

وسيكون انعكاس هذه التغييرات خطيراً جداً على المسألة السورية إذا لم توضع على سكة الحل قبل ذلك ، مما سيؤكد الخوف على وحدة سورية أرضاً وشعباً . وربما يهدد وحدة دول أخرى في المنطقة لا يقل وضعها هشاشة عن الوضع السوري .

لقد شكلت معركة فولغاغراد في الحرب العالمية الثانية ، التي انكسرت فيها جحافل هتلر ، نقطة جيوسياسية فاصلة بين خرائط أوروبا قبل وبعد الحرب . وربما سيكتب التاريخ أن شرق أوسط جديد ارتسمت حدوده من معركة الشمال السوري حيث تجمعت فيه ، خبط عشواء ، كل تناقضات وتقاطعات المصالح الدولية والإقليمية !!!

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة