تنظيم كأس أفريقيا للأمم مدخل رحب لعودة مصرية أكثر عمقا داخل قلب وعقل أفريقيا

img

رامي زهدي – مسئول العلاقات الخارجية بحزب الحرية

الرياضة.. كرة القدم .. عندما تنجح اللعبة وتصل بك أسرع وأبعد

لم يكن أبدا يدور في أذهان أصحاب الفكرة الأولى لتأسيس منافسات كأس الأمم الأفريقية أن تصل يوما ما إلي ما وصلت إليه الأن من التأثير في قلوب وعقول أبناء القارة ففي عام 1956 وتحديدا في يوم الثامن من يونيو اجتمع المصريون عبد العزيز سالم (أول رئيس للإتحاد الأفريقي) ومحمد لطيف ويوسف محمد مع السودانيين عبد الرحيم شداد وبدوي محمد وعبد الحليم محمد والجنوب أفريقي وليم فيل في فندق افينيدا بلشبونة عاصمة البرتغال علي هامش اجتماع الكونجرس الخاص بالفيفا وبدأوا يفكرون في تأسيس اتحاد قاري يدير شؤون الكرة الأفريقية وكذلك تدشين بطولة تقوم علي فكرة المنافسة بين كل دول القارة فيما بينهم لتحديد البطل الذي يجلس علي عرش القارة السمراء. وبالفعل تكلل جهد الرواد بالنجاح وبعد مرور ثمانية أشهر عقد الاجتماع التأسيسي للإتحاد وبعد الاجتماع بيومين كان لاعبو مصر والسودان بالفعل يركضون خلف الكرة في الخرطوم معلنين عن بداية أول مسابقة لكأس الأمم الأفريقية والتي أقيمت في يوم 10فبراير لعام 1957 بإستاد الخرطوم وفاز الفراعنة بهدفي رأفت عطية ومحمد دياب العطار (الديبة) في حين سجل السودان هدف وحيدا. وكان الدكتورالسوداني عبد الحليم محمد هو صاحب فكرة إقامة أول بطولة في السودان،
بعد ذلك تطورت البطولة سريعا وبشكل متنامي وبالتوازي مع تطور اللعبة في العالم وتحولها لصناعة كبرى وتجارة محكمة ورائجة وكذلك أداة إستراتيجية تؤثر في حاضر ومستقبل الشعوب وتحرك عقول وقلوب الأمم للأمام وتدفعها لمزيد من العمل وتمنى درجات أعلي من التقدم والازدهار، حتى أن المنافسات التي جاءت لتحل محل الصراعات والنزاعات جاءت أيضا بديلا لرغبة إثبات الذات وأني الأفضل والتي كثيرا ما دمرت تاريخ شعوب وأحلام أمم ليصبح التفوق الرياضي بديلا للتفوق السلبي على الأخر ونزعات التحدي والصعود، بل أن البطولة الوليدة ولعبة كرة القدم بصفة عامة تحولت لمصدر من مصادر دخل القارة الأفريقية ومظهر من مظاهر تأثيرها في الشعوب والقارات الأخرى.

كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم التي أصبحت بطولة ينظمها الاتحاد الأفريقي لكرة القدم كل عامين بين الدول الأفريقية المتأهلة من التصفيات لتحديد بطل القارة الأفريقية وهي مصنفة البطولة الثالثة على العالم بعد كأس العالم وكأس الأمم الأوروبية لشدة منافساتها حيث تضم المنتخبات التي تتأهل إلى نهائيات البطولة نخبة من اللاعبين الأفارقة المحترفين في أفضل الأندية الأوروبية بالإضافة إلى أفضل اللاعبين داخل القارة الأفريقية. أنشأت هذه البطولة سنة 1957 وكانت أول دولة تستضيفها السودان. والدولة صاحبة الرقم القياسي في عدد مرات الفوز بها هي مصر برصيد سبع بطولات، تليها الكاميرون بخمس بطولات.

“مصر تنظم نسخة 2019 لكأس أفريقيا للأمم”

يبدو أن مصر التي عرفت في رأي كتب التاريخ بأنها مهد الحضارة وأنها هبة النيل هي أيضا هبة الله للقارة والقارة هي هبة الله لمصر كذلك لأن بطولة كأس أفريقيا للأمم 2019 والتي قرر مسبقا أن تنظمها دولة الكاميرون طارت بشكل دراماتيكي حتى هبطت من السماء بجوار الأهرامات المصرية، عندما كانت مصر تودع النسخة السابقة لكأس الأمم 2017 في الجابون في المباراة النهائية مع الكاميرون كان الكل يقول للأخر أراك بعد عامين في ياوندي أو دولا في الكاميرون، حتى أنني اعتقد أن اللاعبين أنفسهم ودعوا بعضهم البعض بتهنئة الفوز للكاميرون للفوز بالبطولة وتمنيات النجاح في التنظيم في العام 2019، إلا أن الرياح غيرت مسار المركب تماما، وغادرت سفينة التنظيم ميناء دولا بالكاميرون لتبحث عن بديل وحتى هذه اللحظة لم تكن الإحتمالات تشير لأن ترسو سفينة التنظيم في ميناء مصريا، حيث كانت المغرب أول بديلا لإستقبال الحدث وكانت مصر أول الداعمين للملف المغربي رغم جاهزية مصر للحدث ذاته وظهرت أيضا في الصورة جنوب أفريقيا وهي الدولة الإفريقية الجاهزة دائما لأي حدث ولكل حدث وكانت حظوظ المملكة المغربية تبدو أكثر قوة لأسباب عدة فنية وغير فنية، ثم يحدث تحولا ما في الأمور ويجري تنسيقا مصريا مغربيا لتسحب المغرب ملفها وتحل مصر بديلا وتتحول المغرب لمساندة الملف المصري الذي بات أقوى كثيرا وأصبح أكثر ملائمة لمصر أن تنظم بطولة أفريقيا للأمم في نفس عام رئاستها السياسية للإتحاد الإفريقيى ليمثل بذلك عودة قوية مؤثرة لمصر الإفريقية.

لم يحتاج الملف المصري مزيدا من الجهد لحسم موافقة الإتحاد الإفريقي على منح مصر فرصة تنظيم نسخة البطولة في العام 2019 في شكلها الجديد وفي موعدها الجديد وعدد الفرق الأكبر، لتكون مصر من جديد علي موعد مع تاريخ القارة الأفريقية.

“ماذا يعني تنظيم مصر للبطولة في هذا التوقيت”

تنظيم مصر لكأس الأمم الأفريقية يعني الكثير الأن وفي ظل حضور قوي مصري على الصعيد الدولي والإقليمي وتوجه مؤثر نحو القارة الأفريقية، فمصر التي تترأس الدورة القادمة من الإتحاد الإفريقي للمرة الثانية فقط في تاريخ مصر وفي تاريخ الإتحاد الإفريقي وهو رقم قياسي سلبي يشير لمراحل سابقة من تقدير وإدراك غير مناسبين لأهمية أفريقيا الإستراتيجية بالنسبة لمصر والأهمية مصر بالنسبة لأفريقيا.
الأن مصر في مرحلة حاسمة جدا من مراحل التواجد في أفريقيا، وفي ظل كل التحركات الرسمية والغير رسمية للدولة المصرية بالتوازي مع هئيات المجتمع المدني والأحزاب تدخل مصر من الباب الواسع لقلب ونبض الشعوب الإفريقية، حتى الأن مازالت الرياضة بصفة عامة وكرة القدم بصفة خاصة أسرع وأقصر الطرق لقوة ناعمة مصرية في أفريقيا.
المواطن الإفريقي بصفة عامة والمصري بصفة خاصة قد يعرف الدول التي فازت بكأس الأمم الإفريقية أكثر من غيرها، بل إن المواطن المصري العادي متوسط الثقافة والأقل يعرف مدن وعواصم إفريقية لمجرد أن فرق مصرية لعبت وتلعب مباريات هناك في كافة الألعاب وفي الساحرة الإفريقية المستديرة تحديدا.

من الأن وحتى نهاية البطولة وبعدها بفترات سوف تكون مصر محور إهتمام المواطن الإفريقي العادي، يتابع آخر التطورات واخر الأحداث ويحاول أن يقرأ ويعرف أكثر عن مصر، هناك دول تشارك لأول مرة في تاريخها في البطولة أو الثانية أو الثالثة على الأكثر ولذلك سوف يظل محور الذاكرة عند أبناء هذه الدول متذكرا مصر وكافة أحداث البطولة.
تنظيم البطولة الأن على الأراضي المصرية يعني شهادات جودة معتمدة عالمية تشهد بمصر بالإمن والأمان والقدرات المصرية التي تستطيع أن تنظم بطولة بهذا الحجم في خلال شهور قليلة من إعلان رسمي بإسنادها لمصر.

أيضا شهادة أكبر وأدق لمصر في مجال التنمية المستدامة، فالطرق والكباري وطفرة المدن الجديدة ومشروعات الطاقة الضخمة التي تنجزها الإرادة المصرية ومازالت كانت سببا قويا لثقة العالم وأفريقيا في مصر.

“سياسيا وإستراتيجيا هل يمكن لمصر إستثمار الحدث”

كثيرا من دول العالم كافة والدول الإفريقية خاصة تنتظر وتطمح أن تنظم يوما ما حدثا قاريا بحجم كأس الأمم للقارة التي تنتمي لها هذه الدول، السؤال الهام هل يمكن لدولة بحجم مصر وتأثيرها الإقليمي والدولي أن تحقق عوائد إستراتيجية هامة بتنظيمها لكأس أفريقيا للأمم،
الإجابة واضحة لأن تنظيم مصر لهذا الحدث يزيد من التقارب المصري الإفريقي ويعلي من مكانة مصر والمصريين في قلوب وعقول أبناء القارة طالما دائما ما اتفق الجميع على أن كرة القدم مفتاح القلوب في أفريقيا.
عندما تتصدى الدولة الأكبر في القارة لإنقاذ الحدث الرياضي الأبرز في القارة بعد سحب التنظيم من الكاميرون فإن هذا يعني لدول القارة أن مصر الشقيقة الكبرى دائما سندا في ظهرهم وحصن أمان يلجأ له الجميع.
وتبدوا لنا جميعا مؤشرات نجاح كبيرة ونتائج إستراتيجية هامة تحققها مصر بتنظيم البطولة، وأعتقد أن العلاقات المصرية الأفريقية السياسية والإقتصادية قبل البطولة لن تكون كما هي بعدها، بل سوف يحدث لها تطور كبير وتقدم ملحوظ.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة