المعارضة السودانية والرقص على سلالم المجلس العسكري.. ماذا بعد الحكومة المختلطة؟

img

سمر عبدالله – مدير شعبة الشئون الافريقية

“من يمسك العصا من المنتصف لا يجيد الرقص”.. هذه هي المقولة الأنسب للتعامل مع الأطراف السودانية كافة –المجلس العسكري والمعارضة المتمثلة في قوى الحرية والتغيير- وهي تعني أيضًا أن ثمة أوقات يجب اتخاذ مواقف حاسمة فيها، لا مكان للرماديات عندما تواجه الأوطان أزمة ما، فالوقوف على الحافة قد يجعل “الخراب” مصير حتمي.

اتخذ المجلس العسكري السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح برهان، جانب الشعب السوداني، حين خرج مطالبًا بإزاحة عمر البشير عن سدة الحكم وسرعان ما وافق المجلس العسكري على قرارات الشعب، وبالفعل أعلن عزل البشير وإيداعه في سجن كوبر لمحاكمته بعدة اتهامات.

“ما قبل البشير.. المجلس العسكري لم يحرك ساكنًا: فلماذا تحرك الآن؟”

 في 2013، ثار الشعب السوداني على عمر البشير، إلا أن قبضة البشير الحديدية وديكتاتوريته أبت أن تُنفذ للشعب رغباته، فسرعان ما دفع الشعب الضريبة بعشرات القتلى، بل ووقفت عدة حكومات دولية مع عمر البشير، ما جعل وجوده حتميًا، وكأنه فرض على الشعب السوداني.

في 2018، انطلقت الاحتجاجات مجددًا، تحديدًا في 19 ديسمبر، عقب ارتفاع أسعار الخبز والمواد الأساسية، لتتحول بمرور الأسابيع إلى ثورة شعبية قاومت قبضة البشير الحديدية بشراسة، وأدت إلى سقوط 50 قتيل، ونتيجة لذاكرة الشعب السوداني التي تأبى النسيان، اتخذ البشير في 24 ديسمبر  2019 جملة من الإصلاحات الفعلية وغير الوزير الأول، إلا أن هذه الخطوة جاءت متأخرة، فلم تنجح في امتصاص غضب الشارع، خاصة وأنه رفض دمج المدنيين مع العسكريين في نظام الحكم، حيث اتسم حكمه بعسكرة الدولة السودانية، وهو ما خالف مطالب المعارضة.  

هذه المرة، حقق ضغط الشارع هدفه عبر شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، بإسقاط عمر البشير، لكن هذه المرة لدينا علامات استفهام كثيرة، لماذا أصرّ المجلس العسكري على الانحياز للشعب هذه المرة؟ وهو الذي أعلن في 11 أبريل 2019 عزل البشير وترحيله إلى أحد السجون، مؤكدًا وجود مرحلة انتقالية تدوم لعامين، إعلان حالة الطوارئ  لمدّة ثلاثة أشهر  وحظر التجوال لمدة شهر، السؤال الذي يطرح نفسه الآن.. لماذا أصرّ المجلس العسكري على لعب دور رئيسي هذه المرة؟.

“هل تنتصر السُنبلة على أسراب الجراد؟”

في 30 يونيو الماضي، شهد السودان مظاهرات غاضبة هي الأكبر منذ فض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة، للمطالبة بتسليم السلطة لقيادة مدنية ومحاسبة المتورطين في مقتل المتظاهرين، أعقبها وساطة إفريقية عن طريق مبعوث الاتحاد الإفريقي محمد الحسن ليباد، لتوفيق وجهات النظر بين كافة الأطراف السودانية، ليعلن في 5 يوليو التوصل إلى اتفاق نهائي بين كافة الأطراف على أن يتضمن الاتفاق، تشكيل مجلس سيادي بالتناوب بين العسكريين والمدنيين لمدة ثلاث سنوات أو تزيد، وتشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة برئاسة رئيس وزراء مستقل، حيث اتفق الطرفان على إقامة تحقيق وطني مستقل وشفاف حول الأحداث الأخيرة التي وقعت أمام مقر القيادة العامة، لكن يبقى السؤال، هل تنتصر الأطراف السودانية على كل ما يُدبر لها من قِبل الأيادي الخفية التي هدفها الأوحد إسقاط السودان، وتغذية فصيل دون آخر؟.

“سودان جديد”

يواجه الاتفاق بين المجلس العسكري والقوى المعارضة –تحديدًا قوى الحرية والتغيير- عقبات عديدة، إلا أن الرهان سيبقى أولًا وأخيرًا على الشعب السوداني، الذي يجب أن يضغط على الجميع بكل ما أوتى من قوة لإنجاح هذا الاتفاق، فإذا ما فشل الاتفاق سيتحول السودان لجحيمًا يأكل الأخضر واليابس في السودان، خاصة وأن هذه هي الفرصة الأخيرة لتوحيد الصف، فالاقتصاد السوداني يمر بمرحلة حرجة قد تجعل القيادة السياسية تلجأ إلى أشياء غير مستحبة متمثلة في قروض كبيرة سيدفع ثمنها شعب السودان، لكن هذه المرة ستكون الضريبة غالية جدًا.

“لجنة التحقيق في أحداث القيادة العامة”

هذه هي العقبة الأولى التي ستهدد الاتفاق بين الجانبين، خاصة في ظلّ اليقين الذي يسيطر على بعض الأطراف المعارضة بأن المجلس العسكري هو من يجب أن يحاسب على فض اعتصام القيادة العامة، في حين يتحدث “البرهان” و”حميدتي” عن تورط أطراف أخرى في فض اعتصام القيادة العامة، عقب تحريضها على المجلس العسكري، والحل هنا لإنهاء الخلاف بشأن هذه النقطة، أن يجلس قادة قوى الحرية والتغيير مع قادة المجلس العسكري السوداني ويخرجان للرأي العام بأسماء المتورطين في فض الاعتصام وإعلان محاكمتهم؛ كي يهدأ الشارع السوداني ويبدأ في جني ثمار ثورته.

“إشراك فلول البشير في الحياة السياسية”

 هذه هي نقطة الخلاف الثانية في الاتفاق الذي وقع بين الجانبين، وهي الأزمة التي عانت منها دولتان عربيتان –مصر وتونس- حيث نجحت قوى سياسية كانت عونًا لمبارك وبن علي في المشاركة في الحياة السياسية بعد الثورة، وهو ما جعل الشارع المصري والتونسي –على حدٍ سواء- يفقد الثقة في القيادة الجديدة التي أعقبت نظامي مبارك وبن علي، لذا فإننا نحذر من خطورة مشاركة فلول البشير في من أحزاب “المؤتمر الشعبي” و”الإصلاح الآن” المنتميان إلى التيار الإسلامي في المشاركة في الحياة السياسية، كما أن الحزب الاتحادي الديمقراطي سيدفع بقياداته للمشاركة في مستقبل السودان الجديد، وهو ما يهدد باشتعال الأوضاع مجددًا في السودان.

“إيجابيات الاتفاق بين المجلس العسكري والمعارضة”

بالاتفاق الذي وقع بين المجلس العسكري والمعارضة المتمثلة في قوى الحرية والتغيير، استطاع المجلس العسكري إنهاء حالة الاحتقان والبطش الشديد والذي وصل إلى القتل لكل من هو مخالف في الرأي، كما أننا نستطيع القول بأن حالة الاحتقان قد هدأت أخيرًا، كما أن حالة الركود والجمود التي قد أصابت البلاد؛ إثر دعوات العصيان المدني، أصبحت ماضيًا، فالقوى السياسية الآن في السودان بدأت في رسم خرائطها السياسية لبناء مستقبل جديد، كما أن الشارع السوداني بدأ يتحرك بعد أشهر ركود قد أصابته، فضلًا عن وجود جانب آخر إيجابي، وهو مشاركة جميع الأطراف في السودان في الحياة السياسية، وهو الأمر الذي يحدث لأول مرة في السودان بعد عقود طغيان.

“سلبيات الاتفاق”

أنهى هذا الاتفاق طموحات الشعب السوداني بوجود حكومة مدنية مئة بالمئة، بعدما كان قد اقترب لتحقيق مناله، ما أثار الغضب داخل الشعب السوداني –البعيد عن السياسة- الذي سيطّر الأمل على قلبه باحتمالية وجود حكومة مدنية تقود السودان إلى مستقبل مختلف، قبل أن تقرر كافة الأطراف السودانية أن تكون الحكومة مناصفة بين المدنية والعسكرية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة