السلام العالمي و الأمن المجتمعي

img
دكتور عيسي بن حمد الشمري – مدير وحدة الأمن المجتمعي  شكل الأمن ولا يزال، محورا اساسيا في حياة الانسان و في تفكيره، سواء كان ذلك على مستوى الفرد أم الجماعة ام الدولة، إذ يعتبر الأمن الأولوية الأولى في حياته وفى ترسيخ وتوطيد دعائم استقراره وتطوره وازدهاره. فالحاجة إلى الأمن بكافة صوره وأشكاله، من أهم الحاجات الفطرية التي لا يمكن أن يكون سلوك الإنسان سوياً بدونها او بمعزل عنها، إن الأمن في الأوطان من أعظم النعم التي تفضل الله سبحانه وتعالى بها على بني الإنسان، وحتى تتحقق الغاية من خلق البشر وهي عبادته سبحانه وتعالى لابد من توفر واستتباب الأمن والأمان في المجتمع. فلا تنمية ولا تقدم بدون استتباب الامن. فقد لخص ذلك رسول الله صلى الله علية وسلم، وهو الذى اعطى مجامع الكلم، بقوله ” من أصبح منكم آمناً في سربه معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا ”  وعندما يختل الأمن في المجتمع، تتغير معه الموازين والقيم والأخلاق ، فلا مال يستفاد منه بدون الأمن ، ولا صحة ولا حياة ترُجى بدون الأمن ، ولا استقرار ولا تطور بدون الأمن ، فالأمن هو الحياة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا “ والمجتمعات المعاصرة الان يحيط بها الخوف وعدم الامن من كل جانب، فعلى الرغم مما حققته البشرية من تقدم فان الامن اصبح هاجسا. ومنذ نهاية القرن الماضي وبذوق فجر الالفية الثالثة، حدثت تغيرات هائلة على مدى الجيلين الماضيين فيما يتعلق بمفهوم الامن والاستقرار والترابط الاجتماعي. فقد اخذت كثير من المجتمعات تتحول من التضامن الاجتماعي الذى يقوم على القيم المشتركة، الى الفردية، والتي تقوم على العقود واللوائح والانظمة الرسمية التي تتطلب التفاوض حولها والاتفاق عليها والتقاضي بسببها، وتطبيقها احيانا بالوسائل الاكراهية وبواسطة القانون وليست الثقة. ونتج عن ذلك ازدياد النزعة المتأصلة لدى الليبرالية القائمة على اساس الحقوق ومضاعفتها ضد سلطة كل اشكال وانماط قيم المجتمعات الانسانية المألوفة. كل ذلك ادى الى تراخى الترابط الاجتماعي وانعدام الثقة في كثير من المجتمعات، حتى ارتفع عدد جرائم العنف وازداد حجم القضايا المدنية امام المحاكم، وانهيار بنية الاسرة، وانحطاط مجموعة واسعة من الهياكل الاجتماعية الوسيطة، مثل علاقات الجوار، والاحياء، وجماعات المسجد، والنقابات، والنوادي والجمعيات الخيرية وغيرها، وشاع احساس عام بفقدان القيم المشتركة وروح الجماعة وسط الافراد الذين يعيشون في محيط مشترك، وازداد الاحساس بعدم الامن وانعدام الثقة. وانعكس هذا الانحدار في الترابط الاجتماعي وماترتب علية من فقدان الامن والثقة، على السياسة، والاقتصاد، وكل جوانب الحياة، ولم يسلم من هذا الانهيار مجتمع او دولة، متقدمة كانت ام متخلفة. فعلى سبيل المثال، تقوم الولايات المتحدة من اجل تأمين الحماية من خلال الشرطة، فتضع اكثر من واحد بالمئة من مجموع سكانها خلف القضبان في كل عام. كما تدفع الولايات المتحدة سنويا، ما يعادل اكثر من اثنين بالمائة من ناتجها الإجمالي المحلى على المحامين حتى يتثنى لمواطنيها مقاضاة بعضهم البعض. وكلا التكلفتين تصلان نسبة تقدير من الناتج المحلى السنوي اكثر من عشرة بالمائة، وبهذه المبالغ المالية، يشكل ضريبة مباشرة يفرضها انهيار الثقة وعدم الامن. اما في الدول العربية والاسلامية، فان فقدان الثقة والامن يدفع بعض هذه الدول الى صرف ميزانيات ضخمة، تفوق في بعض الاحيان الستين بالمئة من إجمالي ناتجها المحلى، من اجل تأمين الحماية والامن لها كأنظمة حاكمة، ثم لمواطنيها. هذا الصرف الضخم على الامن اذا ما قورن بالصرف على قطاعات حيوية في المجتمع مثل التعليم، (الذى لا يتعدى الصرف علية في بعض الدول اكثر من الواحد بالمائة من الناتج المحلى السنوي)، والصحة، (التي لا يتعدى الصرف عليها اكثر من واحد بالمائة)،و مكافحة الفقر وانتشار الخدرات، وتأسيس البنيات التحتية الى غير ذلك، فان ذلك يبين بوضوح الخلل الأمني الذى تعانى منه كثير من الدول اليوم، ويبين ايضا حجم التحديات التي تواجها في حاضرها الماثل وفى مستقبلها المنظور. وكل ذلك يوضح اهمية وضرورة الاهتمام بموضوع الامن ومهدداته و عوامل بناء الثقة بين الافراد والمجتمعات، وبين الحاكم والرعية، مما يؤدى لترابط النسيج الاجتماعي، فتتحول ميزانيات الصرف على الحماية وتوفير الامن وبناء الثقة، الى التعليم والصحة والتنمية وبناء القدرات. لذا فإن الأمن حاجة أساسية لاستمرار الحياة وديمومتها وعمران الأرض ، وانعدام الأمن يؤدي إلى القلق والخوف ويحول دون الاستقرار والبناء ، ويدعو إلى الهجرة والتشرد ، وتوقف أسباب الرزق مما يقود إلى انهيار المجتمعات ومقومات وجودها . وقد قيل ” نعمتان عظيمتان لا يشعر الانسان بقيمتهما إلاّ إذا فقدهما ؛ وهما الصحة في الأبدان والأمن في الأوطان ” .       وقد تعددت مفاهيم الأمن الاجتماعي وأبعاده في ضوء التحولات التي يشهدها العالم مع بروز أخطار جديدة ومتغيرات تركت آثارها على جميع الطرق  الحياتية سواء منها ما يتعلق بحياة الفرد أو الجماعة ، وتجاوزت الأطر التقليدية لمفهوم الأمن المتعلقة بحماية الإنسان من التهديدات المباشرة لحياته . فالأمن الاجتماعي عند بعض الباحثين هو سلامة الأفراد والجماعات من الأخطار الداخلية والخارجية التي قد تتحداهم كالأخطار العسكرية وما يتعرض له الأفراد والجماعات من القتل والاختطاف والاعتداء على الممتلكات بالتخريب أو السرقة ” في حين يرى فريق من علماء الاجتماع أن غياب أو تراجع معدلات الجريمة يعبر عن حالة الأمن الاجتماعي ، وأن تفشى الجرائم وزيادة عددها يعني حالة غياب الأمن الاجتماعي ، فمعيار الأمن منوط بقدرة المؤسسات الحكومية والأهلية في الحد من الجريمة والتصدي لها وأن حماية الافراد والجماعات من مسؤوليات الدولة من خلال فرض النظام ، وبسط سيادة القانون بواسطة الاجهزة القضائية والتنفيذية ، واستخدام القوة إن تطلب الأمر ؛ ذلك لتحقيق الأمن والشعور بالعدالة التي تعزز الانتماء إلى الدولة بصفتها الحامي والأمين لحياة الناس وممتلكاتهم وآمالهم بالعيش الكريم . في حين يؤكد باحثون  ” بأن الأمن مسؤولية اجتماعية بوصفه ينبع من مسؤولية الفرد تجاه نفسه وأسرته ، فنشأت أعراف القبيلة وتقاليدها لتصبح جزءاً من القانون السائد ” .      وبدأت التحولات في المجتمعات العربية إلى إحلال مفهوم الدولة بدلاً من القبيلة والاحتكام إلى القوانين بدلاً من الاعراف ؛ إلا أن هذا التحول لم يكن كافياً لإلغاء دور القبيلة كلياً .       ومن هنا فإن مفاهيم الأمن الاجتماعي تدور حول توفير حالة الأمن والاستقرار والطمأنينة في المجتمع المحلي بحيث يستطيع الافراد التفرغ للأعمال الاعتيادية التي يقومون بها ، وفي حالة غياب الأمن فإن المجتمع يكون في حالة شلل وتوقف ، فالإنتاج والابداع والتطور والاقتصاد  يزدهران في حالة السلام والاستقرار .

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة