التظاهرات تكشف عنصرية النظام الصهيوني

img

إثيوبيون في إسرائيل

ريهام يوسف عثامله / باحثة بوحدة الدراسات السياسية

كشفت ثورة الاثيوبيين في الأيام الاخيرة النقاب عن التمييز العرقي الذي يتعرضون اليه منذ ان تم نقلهم الى “إسرائيل” بين ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حيث اندلعت موجة احتجاجات اليهود الإسرائيليين من أصل اثيوبي في كافة انحاء “إسرائيل” مساء الثلاثاء إثر مقتل شاب اثيوبي برصاص شرطي إسرائيلي لم يكن في مهمة رسمية الاحد الماضي. المظاهرات التي ينفذها الاثيوبيون في هذه المرحلة تعتبر الأعنف منذ سنوات اذ اغلق المتظاهرون شوارع رئيسية في عدة مدن، وأضرموا النيران في إطارات السيارات وفي سيارات، ورشقوا قوات الشرطة الاسرائيلية بالحجارة. احتجاجا على ما يقولون انه “تمييز ضدهم”. كما صرحت المجموعة اليهودية الاثيوبية انها تواجه باستمرار عنصرية مؤسساتية ممنهجة اذ قتل منذ عام 1997، 11 شابا من الجالية الاثيوبية خلال اشتباكات مع ضباط الشرطة. في نظرة سريعة الى الوراء، يبلغ عدد اليهود من أصول إثيوبية في إسرائيل حوالي 140 ألف شخص بينهم أكثر من 20 ألفا ولدوا في إسرائيل. يتحدر معظمهم من مجتمعات منعزلة لعدة قرون عن العالم اليهودي، وتم الاعتراف بهم كيهود في وقت متأخر من قبل السلطات الدينية الإسرائيلية. يهود اثيوبيا “الفلاشا” عانوا منذ هجرتهم الى إسرائيل من نظرة الاحتقار او الازدراء بسبب لون بشرتهم الأسود، وفرض عليهم ممارسة العمل الشاق الذي يرفض العرق الأبيض ان يقوم به كما تم استخدامهم كأيادي عاملة تخدم العرق الأبيض في المصانع والفلاحة والحراسة والعمل الشاق، وقد مر يهود “الفلاشا” أيضا بمرحلة غسيل أدمغة نجمت عن سياسة التفرقة وتم اشباعهم بأفكار ترتكز عقائديا على ان “العرب يكرهون اليهود ويريدون القضاء عليهم” امر ساهم بخلق حالة فصل شبه تامة بين الاثيوبيين والعرب الفلسطينيين في إسرائيل بالرغم من النهج الذي يتعرض له الطرفان من السلطة الحاكمة والممارسات الممنهجة التي تمارسها ضدهم الحكومة الإسرائيلية تقوم على الاقصاء والتهميش والتمييز، فالأثيوبيين يميز ضدهم على أساس اللون واما الفلسطينيين فسياسة التمييز ضدهم على أساس الانتماء القومي الا انهم عكس “الفلاشا” الذين التزموا الصمت لسنوات بسبب المعاملة السيئة التي تحرمهم امتيازات وحقوق بسبب الفروقات الجسمانية، فقد آثر الفلسطينيون التمسك بقضيتهم ورفض الخضوع للحركة الصهيونية الاستعمارية منذ ان احتلت الأراضي الفلسطينية عام 1948. يجمع الاثيوبيين والعرب في “إسرائيل” قواسم مشتركة منها اللغة، العادات والثقافة الا ان العرب لم يغتنموا فرصة التمييز ضدهم واحتوائهم بمسعى لتشكيل سد منيع بوجه العنصرية والتهميش والتطرف الذي تتعرض له الفئتين ما دفع الاثيوبيون في سنوات السبعين اللجوء الى حزب “الليكود” بقيادة مناحيم بيغين وساهموا بإيصاله الى سدة الحكم وهم يستمرون حتى اليوم بدعم الليكود المتشدق بكراهية العرب، ويتشبعون بأفكاره اليمينية المتطرفة ليس قناعةً بأيديولوجياته، إنما وجدوا فيه ضالتهم ، فتحسن اقتصادهم وأظهروا للعرق الأبيض أنهم سواسية معهم في عدائهم للعرب ، ورغم كل هذا الولاء ورغم كثرتهم إلا أنهم لم ولن يحصلوا على فرصة ان يصبح منهم رئيسا او وزيرا في دولة تراهم مضطهدين وجائعين قدموا من بلاد فقيرة ونامية لينعموا بالعيش الرغيد بدون توفير ادنى حق لهم بالكرامة او تكافؤ الفرص في مجالات الحياة المختلفة، خصوصا في اطار سن قانون الأساس قانون القومية الذي هو قانون أساسي إسرائيلي، يُعرِّف إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي الذي لم يسعفهم أيضا في ظل حكومة ترى فيهم درجة ثانية بسبب لونهم الغامق. ليخوض أبناء الجالية الإثيوبية عدة مواجهات مع الشرطة الإسرائيلية، خلال السنوات الماضية، على خلفية التمييز. هذا كله يضاف الى نظرية “العقدة من العنصرية” التي سببتها التشريعات الابرتهادية في الأنظمة الدولية التي حكمت العرق الأسود على كافة العصور لجعل قمعهم والتمييز ضدهم قانونيا، فمثال على ذلك، تطبيق الحزب الوطني في جنوب أفريقيا لعنصرية الدولة الدستورية أثناء نظام الأبارتهايد بين 1948 و1994. مثل أن يكون للبيض الجنوب أفريقيين حقوق أعلى من حقوق غير البيض. لم يكن من المسموح للجنوب أفريقيين من غير البيض بالتدخل في أي من أمور الحكومة بما في ذلك التصويت أو الحصول على الرعاية الطبية المناسبة والخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة أو الكهرباء أو ارتياد المدارس العامة. كان الجنوب أفريقيين السود ممنوعين أيضا من الوصول إلى بعض الأماكن العامة، ومن استخدام بعض وسائل المواصلات العامة، وملزمين بالعيش في أماكن معينة مخصصة لهم. يدفعون ضرائب مختلفة عن ضرائب البيض وكان مطلوبا منهم أن يحملوا بعض الوثائق الإضافية طوال الوقت لتمييزهم سلبيا. وقد تم إلغاء كل هذه القوانين والتشريعات العنصرية من خلال سلسلة من قوانين حقوق الإنسان التي تم تطبيقها في نهاية عصر الأبارتهايد في بداية التسعينات. الا ان عقدة اللون الأسود لازمتهم ورافقتهم ليس هم فقط بل في أي نظام سلطوي يلجئون للعيش تحت سيطرته وسيادته خاصة اذا كان هذا النظام عبارة عن حركة استعمارية وهي الحركة الصهيونية التي تحاول ان تبقي على وجودها وتفرض سيطرتها من خلال سياسات تطور وتشجع العنصرية وتميز بين الناس على أساس اللون والعرق والقومية إضافة الى سياسات التفرقة الواقعة تحت مبدأ “فرق تسد” بين الفئات المختلفة في إسرائيل لتجند الاثيوبيين لصالحها بهدف القضاء على المتمرد الفلسطيني الذي احتلته. وهو ما عكسته هتافات المحتجين الاثيوبيين خلال مظاهراتهم عندما كانوا يهتفون باسم فلسطين لصدق وعدالة القضية الفلسطينية في محاولة ناجحة لاستفزاز الحكومة الإسرائيلية التي قمعتهم كما قمعت الفلسطينيين ودعواتهم الى العرب في الداخل المحتل الانضمام الى ثورتهم ضد العنجهية والقمع والاذلال السلطوي، حيث فضل المنتفضون اتباع سياسة “العين بالعين” على المقاومة السلمية لمناهضة العنصرية وقمع الجهاز الشرطي الذي لا يتردد بأطلاق الرصاص على شبانهم وقتلهم لعدم اقتناعهم بيهودية وولاء هذا “الأسود” لدولته تماما كما تفعل مع العرب الفلسطينيين حين لا تفكر مرتين قبل اطلاق النار عليهم وقتلهم، الفرق ان الفلسطينيون بالفعل رفضوا الخنوع لأوامر من احتلهم والطاعة لمن سلط عليهم واذا ما اضطروا للتعايش مع الواقع الذي فرض نفسه في ظل صمت دولي واقليمي فينتزعون حقوقهم بالقوة والتمرد والثورة من حكومة قامت بلفظهم بسبب عروبتهم وتمسكهم بهويتهم الفلسطينية حتى وان كانوا يحملون الهوية الزرقاء كما يسميها البعض. انتفاضة الاثيوبيين اليوم تعتبر ركنا جديدا ومؤثرا امام الرأي العام العالمي في معركة الأقليات في إسرائيل ضد العنصرية والاجحاف في الحقوق، التطرف والاقصاء وتكشف بالفعل السياسات القمعية المباشرة والغير مباشرة التي تنتهجها “إسرائيل” ضد هذه الأقليات العرقية، القومية وغيرها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الشرطة الاسرائيلية مارست سياسة، هدفت إلى منع التصعيد. كما أصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خطاب متلفز، أعرب خلاله عن حزنه على وفاة الشاب الإثيوبي. متحدثا عن احتضان المجتمع الاثيوبي ودعا الى حقن الغضب الاثيوبي من خلال طرح اغراءات لحل المشاكل التي تعاني منها هذه الفئة، تصريحات لم يدل بها ولا لمرة واحدة خلال موجات الغضب المتكررة للفلسطينيين في “إسرائيل” بل على العكس حرض ضدهم وأعطى الضوء الأخضر للشرطة بقمع مظاهراتهم قتلهم واعتقالهم عكس ما تقوم به الشرطة اليوم مع الاثيوبيين.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة