ديناميات التغيير السياسية ..ورؤية 2030

img

د .مهيب صالحة ـ كاتب وأكاديمي سوري

ما الذي يجعل صحفياً سعودياً مرموقاً يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية ، إن كان معارضاً لحكومته ، أن يأتي على قدميه إلى تركيا وتقطع أوصاله في قنصلية بلده ـ في مدينة من أجمل مدن العالم ـ اسطنبول ـ التي تجمع أوصال العالم القديم من آسيا وأوروبا وإفريقيا بمياه بحر كان على الدوام قلب العالم ينبض بالمصالح المتناقضة والمتقاطعة ـ ما لم يكن قد آثر على نفسه أن يلعب دور الضحية ، عن دراية أو عن حماقة ، والصغير قبل الكبير يعرف ما صنعه الحداد في علاقات دول جنسيته وإقامته ومصرعه . إلا إذا كانت تهوى القتل وهذا لا يقبله عقل ولا منطق ، أو أنها استدرجت إلى الفخ لخلق ديناميات سياسية جديدة ، في داخلها ،وفي علاقاتها الدولية في قضايا المنطقة ، كما استدرج غيرها من حكومات عربية في قضايا أخرى .أو ثمة ما يراد التستر عليه ولا علافة له بالاغتيال السياسي أصلاً . وفي جميع الاحتمالات هل يصدق أن المخابرات الأمريكية والتركية لا علم مسبق لها بالمصير الذي ينتظر جمال خاشقجي خاصة أن علاقة تركيا بكل من أمريكا والسعودية تمر في مرحلة دقيقة وشديدة التعقيد ، كما هو الحال بالنسبة لوضع تركيا الجيوسياسي في قضايا المنطقة جملة وتفصيلاً ، واشتباكه بعلاقات متشعبة مع محاور متناقضة في رؤيتها لهذه القضايا .

الخاشقجي ضحية اغتيال سياسي كما بلده السعودية ضحية ابتزاز سياسي من كل دول المنطقة نتيجة أخذ قيادتها الجديدة زمام المبادرة في قضايا المنطقة التي تؤثر على أمنها ومصالحها ، وتوجهها لإجراء اصلاحات داخلية لم تتجرأ  أية قيادة ، من قبل ، على الاقتراب منها ، تمثلت هذه الاصلاحات  ” برؤية السعودية 2030 ” التي أطلقت في أبريل / نيسان 2016 وتستهدف إجراء اصلاحات شاملة في المملكة لملاقاة مرحلة ما بعد النفط ، تضمنت 80 مشروعاً حكومياً تتراوح كلفة الواحد منها 3ـ7 مليارات ريال ، ومدينة ” نيوم ” أول مدينة رأسمالية في العالم تمتد بين ثلاث دول السعودية ومصر والأردن باستثمارات تبلغ نصف تريليون دولار  ومن المتوقع أن تدر على السعودية وحدها مع نهاية المشروع عام 2030 أكثر من 100  مليار دولار . ومن سلسلة التغييرات المتسارعة تلك التي استهدفت القوات المسلحة وعقيدتها العسكرية. وجاءت خطوة تعيين أول امرأة نائبة لوزير العمل بعد فتح باب التجنيد الاختياري للفتيات والسماح للمرأة بقيادة السيارة وحضور المنافسات الرياضية والدخول إلى صالات السينما . كما شملت التغييرات الاصلاحية مكافحة الفساد من فوق والتي طالت أمراء ومتمولين مقربين من الأسرة المالكة والتي بلغت تسوياتها 107 مليار دولار متمثلة بعقارات وشركات وأوراق مالية ونقود وغيرها .

وبغض النظر عن مزاعم بعض المتضررين من هذه الاصلاحات أو منتقديها ، من الداخل أو الخارج ، بأنها ليست موضوعية إنما جاءت استجابة لعوامل خارجية في مقدمتها حرب اليمن وأخرى داخلية تتعلق بطموحات ولي العهد محمد بن سلمان ، إلا أنها تمكنت من تقويض سلطة المؤسسة الدينية  والذهاب إلى تنويع مصادر الدخل في الاقتصاد القومي ، ورسخت دور السعودية التي لا يمكن بناء معادلات المنطقة من غيرها ولا تحل بدونها . ومن يظن أن المملكة العربية السعودية ـ كما الدول العربية ـ قابلة للتغيير الثوري الجذري من الاستبداد إلى الديمقراطية من دون عمليات انتقالية تراكمية فهو واهم وساذج ولا يفقه شيئاً في التطور التاريخي ولا في السياسة الدولية ولعبة المصالح فيها ..

إن جمال خاشقجي لم يكن قط معارضاً أو ناقماً على حكومة بلده ، وإن كانت له تصريحات في الآونة الأخيرة من قبيل لزوم الديمقراطية وحرية التعبير وأخطاء داخلية ارتكبت ، لكن هذه التصريحات لم تتعدَ كونها خواطر رأي أكثر ما تمظهرت في النزاع السياسي بين  السعودية وقطر ، على خلفية اختلاف مواقفهما من 30يونيو التى اطاحت بحكم الأوان بمصر يأتي من أمريكا إلى تركيا التي قاطعت السعودية منذ ذلك الحين ووقفت إلى جانب قطر في خلافها مع السعودية ، على خلفية انتماء حكومتها الأردوغانية لحركة الإخوان المسلمين . أمريكا التي غضت الطرف عن فوز الإخوان المسلمين في مصر ومن ثم تخلت عنهم ، لا تسمح بانفلات وضع المنطقة من بين يديها طالما تفارقت المواقف السياسية حيال القضايا الرئيسة فيها : سورية واليمن والعراق وغزة وايران والنفط والغاز والإرهاب .. بين دولتين سنيتين محوريتين في المنطقة ، تركيا و السعودية .

قطر دولة غاز صغيرة ترى نفسها في مرآة تناقضات المنطقة دولة عظمى تمتلك سلاحاً فتاكاً يهز عروشاً ويفضح مستوراً هو سلاح الإعلام ، تطلقه وقتما تشاء من قناة الجزيرة التي اكتسبت شهرة عالمية أكثر من شهرة شبه الجزيرة ذاتها . تتموضع قطر في لعبة المصالح الدولية تارة في المحور التركي وتارة في المحور الايراني وتارة ثالثة في المحورين معاً في مواجه محور السعودية العربي ، تتصيد أخطاءه وعثراته الداخلية والإقليمية وتجيش حولها . لم يكن الربيع العربي بالنسبة لقطر سوى مسرحاً لتراجيديا عربية هزلية مصورة منتجتها في استوديوهات أوهام العظمة التي تنتابها في غفلة من زمن تمسك بخيوط لعبته الشرق أوسطية دولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك في قطر الصغيرة أكبر قاعدة عسكرية في المنطقة بعد إسرائيل ، لا تتفرج على هذه المسرحية المصورة إنما تقبض قيمة تذاكرها من الممثلين والمشاهدين .

إسرائيل التي فازت بنقل أكبر سفارة فيها هي سفارة الولايات المتحدة الأمريكية إلى مدينة مقدسة عند الديانات الابراهيمية هي القدس التي طالما حلمت أن تصبح عاصمة أبدية لها ، حبكت علاقات متنوعة تحت الطاولة ، من دون اتفاقات سلام ، مع كل دول المنطقة وفوقها مع قطر وتركيا . والأخيرة فازت ببناء السفارة المنقولة من تل أبيب إلى  القدس بينما قطر تزايد جزيرتها على الجميع بالعروبة والإسلام وفلسطين . ولم يكن من قبيل الصدف أن يتزامن الربيع العربي مع صفقة القرن التي يجري التحضير لها على قدم وساق .

ظنت قطر أن استراتيجية أمريكا في المنطقة هي تعويم الإخوان المسلمين على بحر النجاح الذي حققته تجربة تركيا الإخوانية ، لكن ما قبل الحراك الشعبي ، الناجح ضد الإخوانجية في مصر والفاشل ضد الإخوانجية في تركيا ليس كما بعدهما ، والانقلاب الأخير  بتركيا شكل حداً فاصلاً لعب عليه أردوغان بطريقة بهلوانية على أساس أن الإخوان المسلمين هم الأقدر على تمرير صفقة القرن عربياً وإسلامياً للشعبية التي يتمتعون بها نتيجة فشل العسكر على مدى نصف قرن .

روسيا وايران اللتان تغرقان في الرمال السورية المتحركة إذا لم تبيعا النفط بسعرِ مغرِ فإنهما تعانيان إضافة للعقوبات الغربية عليهما من أوضاع اقتصادية صعبة ، علاوة عن الخسائر الحالية والمحتملة لهما لو أرادت الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها السعودية إطالة عمر الأزمة السورية وتخفيض أسعار النفط إلى ما دون الخمسين دولاراً للبرميل الخام . وإن كانت روسيا تشجع صفقة القرن بين الدول العربية وإسرائيل ، وتتوافق مع أمريكا على إخراج ايران من سورية مع تقليم دورها في المنطقة لإضعاف مشروعها القومي الفارسي ، إلا أنها لاتزال بحاجتها في الميدان السوري كقوة مشاة تحت أمرتها بعد أن فشلت في تجميع الشباب السوري في فيلقها الخامس ليكونوا قوتها الضاربة على الأرض تنفذ أجنداتها السياسية وتتجنب تكرار تجربتها الفاشلة في اجتياح أفغانستان بقوات روسية انتهت بهزيمة نكراء وخسائر بشرية لا تحتمل . أما ايران فهي تتمنى إغراق السعودية في المحيط على أن تتجاوب مع مطالبها المحقة ، كما تخشى من سياستها التدخلية( البحرين ، سورية ، اليمن ) التي تضاعف قيمة فواتير المشروع الفارسي في العالم العربي دون النظر إلى ما تدعيه ايران من عشق لفلسطين ومقاومة للمشروع الصهيوني !!!

تركيا شريك الولايات المتحدة الأمريكية في حلف شمال الأطلسي تبتعد عنها في قضايا منطقة الشرق الأوسط كردة فعل لرفض أوروبا انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي ، وتخلي الحلف عنها بنزاعها مع روسيا على خلفية الطائرة الحربية الروسية التي أسقطها الطيران التركي فوق البحر الأبيض المتوسط ، واتهام أمريكا بأنها وراء الانقلاب الفاشل على حكومتها بإيوائها المعارض لأردوغان فتح الله غولن ، ووهم القيادة التركية أن اللعب على تناقضات المنطقة يحسن شروطها  ويحقق لها مكاسب سياسية واقتصادية من جيب الآخرين .

أردوغان الذي أوهم الشعب السوري بخطوطه الحمر يتخلى عنه بانضمامه إلى نادي أستانا بإدارة بوتين الحليف القوي للنظام السوري ، و يجاريه في لعبة مناطق خفض التصعيد التي كان من شأنها  أضعاف دور السعودية مقابل تقوية دور تركيا في شمال غرب سورية ومنطقة إدلب حيث تم تجميع كل الجماعات الإسلاموية المعارضة فيها وعقد الوضع هناك أكثر من ذي قبل بتحويل إدلب إلى تورا بورا سورية تتجمع فيها كل تناقضات وتقاطعات مصالح الدول المتدخلة والفاعلة في الأزمة السورية ، علاوة عن احتلال تركيا لمنطقة عفرين ذات الغالبية الكردية لمنع أية إمكانية لاتصال الكرد السوريين من شرق الفرات بغربه .

لقد سلكت أستانا في جميع تفاهماتها واتفاقاتها مسلكاً في جوهره ينزع من يد السوريين أية فرصة للجلوس على طاولة واحدة للحوار والتعرف على هواجس بعضهم البعض والتوصل إلى تفاهمات أو تسويات تخرجهم من المحنة التي ألمت بهم وتنهي تدخلات الدول الإقليمية والعظمى في شؤونهم الداخلية التي عوضاً عن أن تطفئ الحريق تؤججه ، وبدلاً من مساعدة السوريين على التوصل لحلول وتسويات تؤجلها . ولم تكن مناطق خفض التصعيد سوى تجزئة صارخة للحل لتقزيمه والتفاوض بالقطعة لقضم الأرض وتوسيع نطاق سيطرة النظام السوري الذي سلم بكل شيء للمفاوض الروسي والايراني على حساب معارضيه الإسلاموين الذين سلموا بكل شيء للمفاوض التركي .

لقد انتهى في الخامس عشر من تشرين أول 2018 اتفاق بوتين ـ أردوغان في سوتشي حول المهلة الممنوحة لتركيا بنزع السلاح الثقيل واخراج التنظيمات الإرهابية من المنطقة العازلة بعمق عشرين كم لتأمين خط حلب ـ دمشق وخط حلب ـ اللاذقية وتأمين الساحل وقاعدة حميميم الروسية دون أن تتمكن تركيا من إخراج هيئة تحرير الشام والحزب التركستاني الإسلامي المدعومين منها والتابعين لتنظيم القاعدة بل أعلنت جبهة النصرة استعدادها للحرب وشكلت حكومة انقاذ في وجه الحكومة المؤقتة التي يساندها الائتلاف المعارض المدعوم من السعودية ، ويدور صراع وجودي فيما بين القاعدة والتنظيمات الإسلامية الأخرى التي توصف بالمعتدلة ، ولكنها كلها خرجت من منبع واحد وتصب في مصب واحدة ـ الحاكمية للإسلام ـ وإن اختلفت في مجاريها .

إن تركيا التي تواجه عقوبات أمريكية شديدة الوطأة على خلفية توقيف القس أندرو برونسون الى تم الإفراج عنه مؤخرا ، وعمليات مقاومة من قوات سورية الديمقراطية في منطقة عفرين السورية المحتلة ، ولممانعة الولايات المتحدة الأمريكية لتشكيل أي ضغط على الإدارة الذاتية شرق الفرات التي تعتبرها تهديداً استراتيجياً لها.. ليس من مصلحتها تطبيق اتفاق سوتشي بدون قبض الثمن وهي ترى أن علاقتها الجيدة مع روسيا تساعدها على المناورة في ملف إدلب ، لكن هذه المناورة تبقى محدودة لأن صبر روسيا قد ينفذ إذا ما طالت مماطلة تركيا بالضغط على الجماعات الإسلامية لتنفيذ تفاهمات سوتشي وأستانا .

في هذه الحالة فإن روسيا لن تتوانى عن بدء العمليات العسكرية في إدلب بغطاء أمريكي سعودي للقضاء على جبهة النصرة وارضاخ الجماعات الأخرى لإرادة دولية أمريكية ـ روسية قادمة تفرز حلاً سياسياً للمسألة السورية في عموم البلاد يتقاسمون به مناطق ومصالح النفوذ بعد تقليص دور كل من تركيا وايران بموجب تفاهم قمة ترامبوتين في هلسنكي  . إن منح الجانب الروسي مهلة إضافية للجانب التركي لكي يثبت حسن نواياه تجاه اتفاق سوتشي ورغبة حكومة دمشق بإعادة إدلب لسيطرتها ، وبالمقابل رفض هيئة تحرير الشام للاتفاق وتهديداتها بالحرب ، لا تفهم إلا  من قبيل قرع طبول الحرب التي إن حدثت سوف تعلن نهاية إقامة تركيا المؤقتة في إدلب ، أو فك ارتباطها بروسيا وانجرارها في حرب لن تكون في مصلحتها .

إن تركيا تدرك تمام الادراك بأن أية صفقة منفردة قد تبرمها مع أمريكا ستتضمن الافراج عن القس وقد حدث بالفعل ، اعتراف تركيا بالإدارة الذاتية شرق الفرات والتوقف عن التهديد باجتياحها ، تخفيض مستوى العلاقة الجيواستراتيجية مع روسيا ، الاستجابة للعقوبات الأمريكية على ايران ، عودتها إلى حضن الحلف الدولي لمحاربة الإرهاب وخاصة الداعشي ، التخلي عن السياسات الداخلية التي تحد من الحريات وحقوق الإنسان وتمنح أردوغان وحزبه وضعية الحاكم الفرد والحزب الحاكم . وفي الوقت الحاضر طالما تركيا بحاجة إلى روسيا وايران فهي لن تعطي الأمريكي سوى الإفراج عن القس برونسون وتخفيف محدود لآثار السياسات الداخلية على الحريات وحقوق الإنسان . وستبقى مسائل الخلاف بينهما ، إقليمياً ودولياً ، عالقة لأجل غير مسمى يرتبط بمدى توصل الدولتان العظميان إلى تفاهمات حول جميع القضايا المتنازع عليها من نفط وغاز إلى الدرع الصاروخية إلى أوكرانيا وسوريا وايران..

يأتي إفراج تركيا عن القس الأمريكي الموقوف لديها بتهمة التجسس كبادرة حسن نية تجاه رغبتها رأب الصدع في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة تخفيف أو إلغاء العقوبات الاقتصادية عليها لأن استمرار ومضاعفة العقوبات يشكل عقبة كأداء في وجه خطط أردوغان الاقتصادية التي يشكل نجاحها الصوت الانتخابي الأهم والأبرز في صندوق أردوغان وحزبه حزب العدالة والتنمية . كما يراهن أردوغان على ترامب في كبح جماح بوتين فيما إذا قرر اجتياح إدلب وتغيير ميزان القوى في الشمال السوري ضد تركيا بحجة القضاء على النصرة والجماعات الحليفة .

وفي هذا السياق يأتي استخدام تركيا سلاح المياه للضغط على روسيا عبر حليفها النظام السوري ، والضغط على أمريكا عبر حليفتها الإدارة الذاتية شرق الفرات ، بتخفيض تدفق المياه في مجرى نهر الفرات إلى ثلث الحصة المتفق عليها . كما تأتي تصريحات أردوغان الغوغائية بأن تركيا مستعدة لشن هجمات عسكرية على مناطق الإدارة الذاتية لتذكير إدارة ترامب بفاتورة الإفراج عن القس ، لكن الإفراج عن القس ربما قد تراه الإدارة الأمريكية ثمن رعايتها لصفقة سياسية بين تركيا والثلاثي العربي بقيادة السعودية على خلفية الزوبعة التي أثارتها تركيا على السعودية من جراء اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي . ويقرأ في هذا السياق رفض أردوغان الجلوس على طاولة الرئيس ترامب التي يجلس عليها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في حفلة عشاء رؤساء وفود الدول لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ليلفت الانتباه من فوق الطاولة تمسكه بمواقفه السابقة تجاه السعودية ومصر ، بينما يخفي تحت الطاولة صفقة أو ديناميات سياسية جديدة يرعاها ترامب لم تنضج كل تفاصيلها بعد لأن ما تطلبه أمريكا من تركيا يفوق حسابات أردوغان التي لا تتعدى رغبته الجامحة لتحويل تركيا من بلد ديمقراطيعلماني إلى بلد يتجانس مع محيطه . وفي ميزان الواقعية السياسية لا تختلف هذه الرغبة عن تصريحاته شن هجمات على منطقة تساندها الولايات المتحدة ودول التحالف الدولي .

إن اغتيال جمال الخاشقجي ليس بحادث عرضي ،. ولن تكون هذه الجريمة الاغتيال السياسي الأخير الذي من ورائه دوافع كثيرة ومتنوعة ، فتاريخ الاغتيال السياسي قديم قدم السياسة نفسها ، ويراد منه تصفية المنافسين للاستيلاء على السلطة ، أو استخدام السلطة للتخلص من تهديدات معارضين أو جماعات معارضة ، وكذلك لدوافع عقائدية يستخدمه إرهابيون لتصفية شخصيات لها تأثير في السياسة أو في الرأي العام ، أو في عمليات الكشف عن قضايا فساد كبيرة ..وبالرغم من أن الاغتيال السياسي يطال شخصيات سياسية إلا أن العديد من ضحاياه ليسوا من ذوي المناصب السياسية الرفيعة ، إذ يراد منه في بعض الحوادث تحريك المناخ السياسي للتحريض والثورة ، أو لخلق ديناميات تغيير جديدة في السياسة ، أو إنتاج صفقات تخرج السياسة من عنق زجاجة . وعموماً فإن كل اغتيال سياسي يحمل فاعلية تصعيد الحالة من مستوى إلى آخر أعلى ، من محلي إلى إقليمي إلى دولي ، وعند كل مستوى يتغير اللاعبون وتتغير السياسات . وفي هذا السياق يمكن قراءة الزوبعة الإعلامية التحريضية على السعودية من قبل خصومها ، والتهدئة المقصودة من قبل حلفائها وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي قال رئيسها بصدد التعليق على البيان السعودي : أن رواية السعودية جديرة بالثقة ، وأن المملكة العربية السعودية تعتبر قوة أساسية لتحقيق التوازن في الشرق الأوسط أمام النفوذ الايراني . وربما هنا بيت القصيد الذي صار لأجله خاشقجي ضحية  ، إذ أن معركة ترامب مع ايران لن تكون من دون جناحي العالم الإسلامي السني السعودية وتركيا. وفي حال استمرت تركيا في سياساتها البهلوانية في المنطقة فإن أمريكا  ستدعم أي عملية عسكرية روسية في إدلب وشمال سورية لإضعاف دورها وتهديد أمنها القومي علاوة عن تشديد العقوبات الاقتصادية عليها . قد يبدو أن محمد بن سلمان في مأزق بسبب اغتيال الخاشقجي في القنصلية السعودية , لكن أردوغان هو الآخر في مأزق بسبب اغتيال الخاشقجي في اسطنبول التركية , وكلاهما سيخضعان لابتزاز التاجر ترامب في حروبه السياسية والاقتصادية  وربما العسكرية , ما لم ينخرطا بقوة في استراتيجية إدارته بالنسبة لجميع قضايا المنطقة وعلى وجه الخصوص حربه ضد ايران ..

إن ما أبدته كل الدول من حرص على حقوق الإنسان وتنديد بجريمة الاغتيال هو من قبيل المزايدة الكلامية فقط التي لا تؤخر ولا تقدم في ديناميات التغيير الجديدة في طبيعة العلاقات التركيةـ السعودية ـ الأمريكية ، والتي ربما يكون الخاسر الأكبر فيها دولة قطر الصغيرة إذا آثرت مقاومة هذه الديناميات والالتحاق أكثر فأكثر بإيران .

من النادر أن يُعرَّف الاغتيال السياسي أو يناقش في الصكوك القانونية الدولية ـ كما الإرهاب ـ لكي يبقى كسلاح بيد الدول . وبصرف النظر عن اتفاقية منع ومعاقبة الجرائم المرتكبة بحق الأشخاص المتمتعين بالحماية الدولية ( اتفاقية نيويورك ) ، لا توجد أية معاهدات أو اتفاقات ـ باستثناء ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية ـ تناقش الاغتيالات ، ولكن هناك مواثيق وأعراف دولية تحظر السلوك الذي يوصف بأنه اغتيال ، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية جنيف التي تحظر استهداف وقتل الأفراد خارج نطاق القضاء . وتستند القواعد التي تعالج عمليات القتل العمد إلى قوانين دولية ، القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان . ولكن لم يُعرف من تاريخ الاغتيال السياسي أن تم الكشف عن حقيقة الاغتيالات ومعاقبة مرتكبيها الحقيقيين , ولاسيما الاغتيالات التي تخططها وتنفذها أجهزة المخابرات في الدول ، ومن ورائها غايات سياسية ، فالزمن وحده يتكفل بكشفها عبر دوافعها وتداعياتها السياسية .

إن لا قيمة للإنسان في عمليات الاغتيال السياسي طالما هذا الاغتيال يخلق ديناميات أو صيرورات سياسية جديدة تؤمن مصالح الدول حتى لو كانت محمولة على أكفان ضحاياه .

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة