الإعلان بين القرن الثاني الهجري .. والواحد والعشرين الميلادي

img

ايمان إحيا – باحثة في الشأن الاجتماعي

لا يخفى على احد مايحدثه الإعلان باختلاف اشكاله وصوره من اثر على المتعرض له فللإعلان مئات الاشكال والاساليب والاهداف ولكل هدف وسيلته، ولطالما كان الاعلان آداة جذب لتحقيق مكاسب شرائية للمعلن او قبول لفكرة معينة اوترويج لخدمة ما تقدمها إحدى الجهات ومنها ماهو دعائي ومنها ماهو توعوي كالحملات التوعوية حول الترشيد والبيئة والتدخين اوالمخدرات وغيرها ، ولكن هل الاعلان شيئ حديث أووليد هذا العصر ؟ وكيف كان اول اعلان في التاريخ ؟

اول اعلان في التاريخ حدث في العصر الاموي الاول في القرن الثاني الهجري عندما التقى ربيعة بن عامر الملقب بالدارمي وهو احد شعراء الغزل وكان قد ترك نظم الشعر والغناء وتنسك وفي إحدى زياراته للمدينة إلتقى بأحد اصدقائه من اهل الكوفة بالعراق وكان يعمل تاجرا فكان قد جاء بتجارته للمدينة وكان من ضمن تجارته خُمرعراقية مما تغطي بها المرأة رأسها،فباع التاجر جميع الالوان منها ماعدا الاسود، فشكا لصديقه الشاعرعدم بيعه للون الاسود لعله غير مرغوب فيه عند نساء اهل المدينة ،فقال له الدارمي لا تهتم بذلك فإني سأنفقها لك حتى تبيعها اجمع ،فنظم الدارمي بيتين من الشعر وطلب من مغنيين بالمدينة هما سريح وسنان ان يتغنوا بالبيتين الذي قال فيهما :

قل للمليحة  في الخمار الأسود…ماذا فعلت بناسك متزهد

قد كان شمر للصلاة ثيابه…حتى وقفت له بباب المسجد

فسلبت منه دينه ويقينه …وتركته في حيرة لا يهتدي

ردي عليه صلاته وصيامه ..لاتقتليه بحق دين محمد

فشاع الخبر في المدينة بأن الشاعر الدارمي رجع عن تنسكه وزهده وعشق صاحبة الخمار الاسود فلم تبقى مليحة إلا اشترت من التاجر خمارا اسودا لها ولما تيقن الدارمي من ان صاحبه باع جميع الخمر رجع إلى زهده وتنسكه، ومنذ ذلك الوقت والنساء يرتدين أغطية الرأس السوداء ولم يقتصر هذا على نساء المدينة وحدهن بل جميع النساء في العالم الاسلامي قلدنهن .

ولا أدل من هذه القصة شاهدا على قيمة الاعلان واثره على عملية الشراء خاصة عندما تكتمل عناصره فيحقق أفضل النتائج ورغم بُعد الزمن إلا ان هذا الاعلان اكتملت فيه كل العناصر بصورة عجيبة ؛حيث عنصر الجذب والإثارة لمشاعر المُستهدف وهو عنصر النساء من خلال الرسالة الاعلانية التي ركزت على اظهار المنتج في افضل صورة ووضعه في اطار جمالي يحرك مشاعر المتلقي من خلال ابيات الشاعر واصوات المغنيين الذين تغنوا بالابيات مضاعفة لابراز وجمال الكلمات فكانت النتيجة تحقق اهدف البائع .

..ومنذ ظهور الاعلان وإلى ان اصبح صناعة ضخمة لها من المقومات الكثير في عصرنا الحالي ولا أحد يستطيع ان ينكر مالهذه الصناعة من مردود اقتصاديا واجتماعيا حيث مساهمته في التاثير على العرض والطلب وثبات الاسعار للمنتجات ،وجودة السلع بهدف استقطاب الجماهير اوالمستهليكن ،والتأثير في الاستثمار من خلال دفع المستثمر الاجنبي للاستثمار في بيئة المعلن واثر ذلك على الدخل القومي والفردي للجهة المعلنة ،والاثر الذي تحققه الاعلانات التوعوية والاعلانات الخدمية التي تيسر على الافراد من خلال تقديم الخدمات والسلع بأقل الاسعار ،ولما كان كل ما لحق من تطور بهذه الصناعة يستهدف التأثير على المتلقي وهو الجمهور والذي يمثل اهم عناصر العملية الاتصالية ،فإن هذه الاهمية توجب على القائمين على هذه الصناعة احترام هذا العنصر والالتزام بمعايير اخلاقية كانت في الاساس متصلة بالإعلان، يجب مراعاتها للحفاظ على العنصر المستهدف من كل هذه الصناعة التي تمثل بمجملها الرسالة الاعلانية الموجهة للمتلقي .

ولما كان شهر رمضان الكريم يمثل كثافة اعلانية تختلف عن طيلة العام لارتباطها بالأعمال الدرامية فكان لزاما التطرق إلى عدة نقاط ألا وهي :

– نوعية الاعلانات المقدمة والتي تتضمن فئتين لا ثالث لهما حيث التبرعات والمدن الجديدة التي تعبر عن نوع من التناقض لا يمكن غض الطرف عنه؛ حيث أدنى مستويات الفقر وقمة  الترف وهو ما لن تجده بهذه الصورة سوى على المحطات الفضائية المصرية فيتبادر إلى ذهن المشاهد ان هذا المجتمع يعاني فجوة عميقة بين تكوين طبقي لفئتين حيث فقراء مرضى واثرياء يعيشون في مدن فردوسية .

– طغيان عنصر الإعلان على العمل الدرامي وكأن العمل الدرامي مجرد وسيلة تخدم الاعلان اوأنه الجزء والاعلان هو الكل .

– طول مدة الاعلان والتي تدفع الجمهور إلى الملل والنفور من المحتوى برمته رغم ان العكس هو المطلوب من قبل المُعلن .

– غموض المحتوى احيانا والذي يتنافي مع اهمية وضوح الرسالة الاعلانية لتحقق اهدافها مباشرة في استمالة المستهلك او المتلقي .

– كثرة المتنافسين والتي رغم انها مزية كبيرة حيث أن الكثرة تقضي على عنصر احتكار السلعة اضافة الى عمل اصحابها على المنافسة المستمرة للذات لانتاج الافضل ولتحقيق الاهلية للمنافسة وسط هذا السيل الهائل من المنتجات والشركات والاسماء الكبرى في عالم الصناعة و إلا ان هذا يوجب على القائمين على عنصر الإعلان هنا التركيز على مزايا المنتج دون الاخلال بقواعد اخلاقيات الاعلان والتركيز على عيوب الاخر .

..ومن الإنصاف هنا ذكر ما لهذه الصناعة من موقع ريادي في مصر والذي يؤكد ان وراء الكثير مما ينتج من مادة اعلانية افكار خلاقة وجهود تنم عن ابداع وتنوع، ولكن ذكر ماسبق من بعض المخاوف والمسالب التي تؤخذ على بعض الأعمال والمحتويات إنما بدافع الحرص على عنصر من اهم العناصر في حلقة العملية الاتصالية وهو المتلقي الذي له من الوعي ليس فقط ما اثبتته العديد من نظريات الاعلام والاتصال ولكن اصبح له من الوعي والقوة في انتقاء التعرض وسلوك المشاهدة  ما يجعله اكبر اسباب نجاح المنتج ايا كانت ماهيته ، وليس ادل على ذلك من سلوك مايفعله المشاهد من البحث عن وسائل اخرى تلبي احتياجاته دون ان يشعر بأنه مجبر على التعرض لأشياء بعينها منها الاعلانات واتصال المشاهد بالمنصات الالكترونية أكبر دليل على هذا السلوك ،فإذاكان الهدف هو جذب المتلقي والتأثير فيه فلن يتأتى ذلك سوى باحترامه والبعد عن اسباب نفوره وهو العنصر الذي تدور في فلكه العملية الاتصالية برمتها فيجب الوعي بمايقدم له وكيفية تقديمه .

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة