الأصدقاء الأعداء . روسيا وإيران . وصراع المصالح في سورية

img

د . مهيب صالحة – كاتب وأكاديمي سوري

ما من شك في أن سياسات الدول تحكمها مصالحها وليس صداقاتها وعداواتها ، لأن مصالح الدول ثابتة بالمعنى السياسي بينما صداقاتها وعداواتها متغيرة وفق المصالح . وبالتالي لا عدوات ولا صداقات دائمة بين الدول إنما مصالح دائمة . والعلاقات الروسية الإيرانية في سورية تقوم على المصالح وليس على الصداقة . من هذا المنطلق فقد وصل الأمر بالطرفين حد التصادم العسكري في مناطق مختلفة في سورية ، دير الزور والريف الحلبي وغيرها ، ويأتي التصادم خصوصاً على خلفية تفاهمات روسية ـ إسرائيلية حول اخراج ايران من سورية ، ووقوف روسيا على خاطر إدارة ترامب بتقليم دور ايران في المنطقة وقضايا خلافية أخرى بينهما ، البرنامج النووي والصواريخ البلاستية وغيرها ، والتنافس الشديد بين البلدين على كعكة إعادة الإعمار السورية . لكن في المقابل تواجه روسيا عراقيل كثيرة في تنفيذ تفاهماتها مع اسرائيل . فمن جهة ، القوات الايرانية تنتشر على نطاق واسع في سورية من الجنوب العاصمة ومحيطها حتى الجولان المحتل ودرعا والسويداء ، إلى الشمال الريف الحلبي ومنطقة حمص وحماه ، والشرق البوكمال ودير الزور غربي الفرات ، والغرب القلمون الغربي حتى القصير شمالاً والزبداني جنوباً ، ولديها عديد يتجاوز حسب بعض التقديرات تسعين ألفاً ، مجهزين بعتاد كامل وحديث ومدربين على القتال في الميدان ، وهذا ما تفقده القوات الروسية التي معظمها جوية ، أما البرية فتقتصر في الغالب على قوات خاصة نواتها الشرطة العسكرية التي غالبية منتسبيها من المسلمين الشيشان . على هذا الأساس يمكن القول إن الصراع بين روسيا وإيران في سورية تجاذبي ومتقطع ، ربما يصل إلى حافة الهاوية ، أو يصير دائماً وواسع النطاق ، ريثما تحصل تفاهمات دولية حول الملف السوري تضع نهاية له . وعندئذِِ سنرى ماذا سيكون عليه الموقف الدولي من الوجود الإيراني في سورية ، وقد يتضح الموقف أكثر إذا نفذ ترامب تهديداته لايران سواء بحرب تدميرية خاطفة أو بمفاوضات حاسمة .

منذ وضعت اتفاقات وتفاهمات أستانا ، فيما يتعلق بمناطق خفض التصعيد ، قيد التنفيذ على الأرض انسحبت قوات المعارضة الإسلامية من مناطق مختلفة مهمة جداً للنظام ولحلفائه الروس والإيرانيين ، من محيط العاصمة دمشق ومن المنطقة الجنوبية ومن حمص ، وجمعت هذه القوات في محافظة إدلب والريف الشمالي لحلب وخاصة في المناطق التي احتلتها تركيا بغطاء من شركائها في أستانا وسوتشي روسيا وإيران في كل من جرابلس والباب واعزاز ومارع وعفرين . وهنا يجب التمييز بين منطقة خفض التصعيد الجنوبية والمناطق الأخرى . ففي منطقة خفض التصعيد الجنوبية اشترطت أمريكا ، وكانت من ضمن الدول الضامنة مع الأردن وروسيا وتركيا ومن خلف الستارة إسرائيل ، على ابعاد ايران عنها حتى عمق ثمانين كم مع الجولان المحتل . من هنا بدأ الصراع أكثر وضوحاً وشدة بين روسيا وإيران وخاصة لأن روسيا تغطي الضربات الجوية الإسرائيلية للقوات الإيرانية في المنطقة الجنوبية وفي مناطق أخرى . لذلك فإن التنافس بين البلدين في سورية يأخذ منحيين أساسين : الأول ، سياسي عسكري ، فروسيا خياراتها السياسية في سورية تختلف جوهرياً عن خيارت إيران التي تريد إعادة نظام الحكم إلى ما قبل آذار ٢٠١١ ، بينما روسيا قد تذهب باتفاق دولي في اطار القرار ٢٢٥٤ . وعسكرياً تدرك روسيا أطماع إيران في سورية باعتبارها حلقة الوصل في الهلال الشيعي من طهران حتى بيروت ، ولاسيما أن روسيا صارت في سورية وتعتبرها بوابتها إلى الخليج العربي وشمال أفريقيا . أما الثاني فهو اقتصادي إذا أن كلا الطرفين يعتبر نفسه الأولى باسترجاع ديونه على النظام وبعقود إعادة الإعمار .

هذا التنافس لايزال في بداياته لأن المسألة السورية لم تحسم بعد بل تزداد تشابكاً وتعقيداً ، ولأن أمريكا وأوروبا تربط إعادة الإعمار بالحل السياسي ، لذلك يظهر الصراع بين البلدين تارة على المنحى السياسي العسكري ، وتارة أخرى على المنحى الاقتصادي ، ويتوقف تطوره واتجاهه على مدى توزع وتشابك القوى على أرض الميدان وارتداداتها السياسية ، وعلى أية خارطة طريق سياسية دولية سيتم الاتفاق عليها لحل المسألة السورية ، وعلى خارطة تقاسم النفوذ والمصالح الدولية في عملية إعادة الإعمار السياسية والاقتصادية والعسكرية . وإلى ذلك الحين لان يؤثر ، برأيي ، هذا الصراع على موازين القوى العسكرية والسياسية في سورية ، لأنه توجد حدود طبيعية لتوازنات القوى لا يسمح لأحد من أطراف الصراع الداخليين وداعميهم الخارجيين من تجاوزها.

وما من شك في أن تركيبة الصراع في سورية وعلى سورية ساهمت إلى حد بعيد في تشظي كل الأطراف الداخلية المتصارعة نتيجة لاختلاف التموضعات السياسية والمصالح الشخصية والفئوية . فالمعارضة معارضات ، والسلطة مراكز قوى مختلفة باختلاف الاستقطابات الدولية والإقليمية على كلا الجانبين ، النظام والمعارضة . فمن جهة المعارضة من الواضح التموضع والاستقطاب الداخلي باتجاه الدول التي سمت نفسها صديقة الشعب السوري وأهمها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وتركيا ودول الخليج العربي السعودية وقطر . أما من جهة النظام فإنه ينقسم بين روسيا وإيران ، إذ تنقسم مراكز القوى في السلطة بين مركزين أساسين وواضحين أحدهما يتبع روسيا والآخر يتبع إيران ، ولكن ذلك لا ينفي وجود مراكز قوى تتبع لقوى دولية وإقليمية مؤثرة . وبطبيعة الحال يشتد التنافس بين ( مراكز القوى على الجانبين ) فيما بينهما أو فيما بينها على كل جانب على حده . فعلى جانب الموالاة والسلطة فإن التنافس بين روسيا وإيران هو الواضح على سطح الأحداث ـ كما ذكرنا ـ ويتبدى هذا التنافس بين مركزين ، مركز سهيل الحسن وهواه روسي ومعه أجهزة أمنية والفيلق الخامس الذي شكلته روسيا من المعارضات التى تصالحت مع النظام برعاية روسية تركية في إطار مناطق خفض التصعيد ، ومركز شقيق الرئيس السوري اللواء ماهر الأسد وهواه إيراني ومعه أجهزة أمنية أيضاً . وربما تكون هذه الانقسامات مجرد تقسيم أدوار بين أركان السلطةلملاقاة أي مفاجأة سياسية تفرضها توازنات دولية وإقليمية معينة ، ولكن يبقى محور السلطة عند الرئيس السوري ، الذي دائماً يمسك العصا من منتصفها لكي يحافظ على علاقة متوازنة مع الحليفين روسيا وإيران ، ويمنع بلوغ الصراع بينهما إلى حد القطيعة بمحاولات إراضائهما في عقود إعادة الإعمار والاحتفاظ بالرد على الاعتداءات الإسرائيلية على القوات الإيرانية . وربما تكون هذه الانقسامات مجرد تقسيم أدوار بين أركان السلطة لملاقاة أية مفاجأت سياسية غير متوقعة تفرضها توازنات دولية وإقليمية معينة .

وعموماً ،  لم يبلغ التنافس بين الوكلاء ، لا في الموالاة ولا في المعارضات ، الذي هو وليد التنافس بين خوارجها ـ الأصلاء ، إلى درجة التنافس على السلطة كل في مناطقه طالما أن الرئاسة وهي محور النظام في المناطق التي يسيطر عليها لاتزال تمسك بخيوط السلطة كلها ، وحزب الاتحاد الديمقراطي الكوردي في المناطق التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية ، وحكومة الانقاذ التابعة لجبهة النصرة والحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة الإسلامية ، وطالما ـ وهو الأهم ـ لم يتفق الأصلاء على شكل وجوهر الحل السياسي للمسألة السورية .

فمنذ تدخلها في المسألة السورية تسعى كل من إيران وروسيا إلى الاستحواذ على عقود استثمار الموارد الطبيعية من فوسفات ونفط وغاز وأراض عقارية تحصيلاً لديونهما على النظام  مقابل حمايته من السقوط ، والطمع بالفوز بحصة الأسد من عقود إعادة الإعمار . ومنذ التدخل الروسي في ٣٠ كانون الثاني/ ديسمبر ٢٠١٥ والتنافس الاقتصادي على أوجهه بين البلدين إلى جانب التنافس المتذبذب عسكرياً وسياساً بينهما . فروسيا لا تزال تعمل بقوة على إبعاد إيران عن مشاريع إعادة الإعمار في سوريا وبخاصة المشاريع المغرية والاستراتيجية .

ففي مجال الاستثمار العقاري ، من المعروف أن المرسوم رقم ٦٦ لسنة ٢٠١٢ تضمن إحداث منطقتين تنظيميتين في دمشق وحولها ؛ الأولى أطلق عليها المنطقة  ١٠١ والثانية المنطقة ١٠٢ .

وتقع المنطقة ١٠١ جنوب شرقي حي المزة غرب العاصمة ، وتتكون من منطقتين عقاريتين هما المزة وكفر سوسة، وتضم ما يطلق عليه منطقة «المزة بساتين» الواقعة خلف السفارة الإيرانية و«حي الإخلاص» شرقها، وتمتد شرقاً إلى الأجزاء الشمالية الشرقية من حي كفر سوسة. وتبلغ مساحتها مليوني متر مربع، وستضم ١٢ ألف شقة سكنية ،كما ستقام في المنطقة ١٧ مؤسسة تربوية، و٤ محطات وقود ، و٣ جوامع ، وكنيسة، وقد بدأ العمل فيها منذ نحو ثلاث سنوات.   و تتصل المنطقة ١٠٢ مع المنطقة ١٠١ من جهة الجنوب الشرقي ، وتمتد من الأجزاء الجنوبية الشرقية لحي كفر سوسة لتصل إلى أحياء في جنوب دمشق وتشمل المناطق الواقعة جنوب الجسر المتحلق الجنوبي ، وهي الأجزاء الجنوبية الشرقية من حي كفر سوسة وبلدة داريا وأحياء القدم والعسالي ونهر عيشة ومنطقة شارع الثلاثين الفاصلة بين حي القدم ومخيم اليرموك ومساحتها تسعة ملايين متر مربع مقسمة إلى أربعة آلاف عقار . ولقد بادرت إيران مباشرة لابرام عقود استثمار عقاري مع شركة دمشق شام القابضة ، التى أسستها محافظة دمشق لإدارة ممتلكاتها في المنطقتين ، باسمها وبأسماء وكلاء لها لبنانين وسوريين وبشكل خاص في مشروع المزة بساتين خلف سفارتها على اتوستراد المزة . وبعد الاتفاق الإيراني القطري حول داريا ، الذي أفضى إلى افراغها من المقاتلين والأهالي دخلت المدينة دائرة النفوذ الإيراني ، فنالت إيران عقداً يقضي بإعمار ثلاثين ألف وحدة سكنية في المدينة الواقعة ضمن المنطقة ١٠٢

لكن روسيا لم تستطع اخفاء انزعاجها من الاندفاعة الايرانية للاستحواذ على عقود إعادة إعمار العاصمة وريفها ، بل ذهبت أبعد من ذلك للحد من هذه الاندفاعة . ويذكر في هذا الصدد كيف عطلت روسيا مساعي إيران لانهاء وجود الفصائل المسلحة وداعش والنصرة في أحياء القدم والعسالي وشارع الثلاثين الواقعة ضمن المنطقة ١٠٢  لتحسمه هي مع ملفات مدينة الحجر الأسود ومخيم اليرموك وحي التضامن  وبلدات يلدا وببيلا وبيت سحم جنوب دمشق .

ومن المتوقع أن تكون لروسيا ووكلائها المحليين الأولوية في الفوز بعقود إعمار المنطقة ١٠٢ إضافة إلى الحجر الأسود ومخيم اليرموك وبلدات يلدا وببيلا وبيت سحم.  وهذا ما يغيظ إيران التي تخشى أن يتبخر مشروعها الاستراتيجي بإنشاء ضاحية جنوبية في دمشق شبيهة بضاحية بيروت الجنوبية ، كما فشل مشروعها في تكوين حزب الله سوري على الحدود مع الجولان المحتل بتصفية قادته المحتملين من قبل إسرائيل ، وبالتفاهم السياسي العسكري الروسي الإسرائيلي . ويأتي في السياق ذاته حرمان إيران من الاستثمار في إعادة إعمار الغوطة الشرقية لمنعها من تحويل مطار دمشق الدولي إلى ما يشبه مطار بيروت تحت هيمنة ضاحية دمشق الجنوبية لو تمت .

وتتردد شائعات من غرب العاصمة أن روسيا ضمنت إعادة إعمار كل من حي القابون وحي تشرين ومدينة حرستا ، وأن النظام بصدد اصدار مراسيم تنظيمية لتلك المناطق بناء على القانون ١٠ سيء الصيت .

إن التنافس الشديد بين روسيا وإيران على إعادة الإعمار في سوريا لا يقتصر على الاستثمار العقاري فحسب بل يشتد أكثر في مجال الفوسفات والنفط والغاز  .

ففي مجال استثمار الفوسفات ،  وسوريا كانت حتى ٢٠١١تحتل المرتبة الخامسة عالمياً على قائمة الدول المصدِّرة للفوسفات ، ولديها احتياطيات تقدر بملياري طن ، تتوزع على السلسلة التدمرية (خنيفيس والشرقية والرخيم) ، ومنطقة الحماد (الجفيفة والثليثاوات والسيجري والحباري) ، والمنطقة الساحلية (عين ليلون وعين التينة وقلعة المهالبة وحمام القراحلة) . ومع تغير موازين القوى على الأرض لصالح النظام عقب التدخل الروسي تمكن النظام مدعوماً من إيران من استعادة السيطرة على منجمي خنيفيس والشرقية من تنظيم داعش . وخلال زيارة رئيس الحكومة السورية عماد خميس لطهران مطلع عام ٢٠١٧ اتفق الجانبان على أن تستثمر إيران فوسفات خنيفيس مقابل ديونها الناجمة عن خطوط الائتمان الأربعة التي منحتها للنظام ، والتي تتجاوز قيمتها خمسة مليارات دولار 

لكن الحكومة السورية صارت تماطل في تنفيذ الاتفاقات الاقتصادية المعقودة مع طهران بضغط من روسيا لكي تستخوذ هي على الفوسفات السوري المرغوب في السوق الأوروبية . وبالفعل في أبريل (نيسان) من عام ٢٠١٧،  أيقبيل شهر من استعادة السيطرة على مناجم الفوسفات (خنيفيس والشرقية) ، وقعت الحكومة السورية عقداً مع   STNGLOGESTIC   الروسية التابعة لمجموعة «ستروي ترانس غاز»، بهدف تنفيذ أعمال الصيانة اللازمة للمناجم وتقديم خدمات الحماية والإنتاج والنقل إلى مرفأ التصدير «سلعاتا» بلبنان، حيث باشرت تلك الشركة عملها فعلياً في يونيو (حزيران) بعد أيام من استعادة السيطرة على المناجم

وفيما بدا أن إيران لم تُسلِّم بسهولة لخسارة منجم خنيفيس وقطع الطريق عليها للاستحواذ على منجم الشرقية من قبل موسكو ، سربت مواقع إعلامية نقلاً عن مصادر خاصة أن روسيا دفعت بقوات العميد سهيل الحسن «النمر»  ، لطرد الميليشيات الإيرانية المسيطرة على مناجم الفوسفات والاستيلاء عليها ، وهو ما تم بالفعل بعد قصف شحنة فوسفات كانت تلك الميليشيات تحاول نقلها من المناجم .

وتتوافق تلك التسريبات مع خط سير المعارك في البادية السورية وصولاً إلى مدينة دير الزور، التي أعقبت استعادة مناجم الفوسفات في ريف حمص الشرقي ، حيث تولت قوات «النمر» المدعومة بالطيران الروسي المحور الممتد من ريف حماة الشرقي وريف حمص الشرقي وصولاً إلى ريف الرقة الجنوبي ، وهو المحور الذي تقع فيه مناجم الفوسفات وحقول الغاز والنفط الواقعة في البادية السورية ، في حين تم إبعاد الميليشيات الإيرانية إلى محور الحدود السورية – العراقية وصولاً إلى مدينة البوكمال في ريف دير الزور

وفي خضم اشتداد التنافس الروسي الايراني اقتصادياً في سورية وفوز  روسيا بحصة الأسد من عقود الاستثمار وإعادة الأعمار الموقعة مع الحكومة السورية ، نشر موقع “تابناك” الإيراني مقالاً مطولا هاجم فيه روسيا والرئيس السوري بشدة وأشار إلى أنّ المسؤولين الإيرانيين الذين يثقون بروسيا لايعرفون شيئًا من السياسة وأن لروسيا سجلاً وتاريخاً  أسوداً في الخيانة بحق الشعب الإيراني طيلة التاريخ الماضي ، مشيراً إلى أن الأسد اتفق مع الروس بأن على الإيرانيين التفاوض معهم للحصول على حصة في مشاريع إعادة الإعمار .

وكتب الموقع مستهزئاً بالسياسة الإيرانية في سوريا  ـ هذه الأيام بودنا أن ننشر أخباراً سارة ولكن الأخبار التي تأتي من هنا وهناك كلها سيئة ، وعندما نصل إلى حقيقة أن الروس أخذوا كل شيئ في سوريا حبر أقلامنا يجف من كتابة خبر سار ـ كما هاجمت صحيفة “قانون” المقربة من خامنئي في مقالتها ” صفر حصة إيران من بازار الشام ”  الرئيس السوري لأنه يقصر أيدي إيران ويحرمها من حصتها في إعادة بناء سوريا ما بعد هزيمة داعش ، رغم أنها دفعت أثمانًا باهظة لبقائه….5

وقد جاءت زيارة الرئيس السوري لطهران عقب ذلك  في ٢٥ شباط / فبراير ٢٠١٩ من أجل رأب الصدع في العلاقة بين النظام وحليفته على خلفية الصراع الروسي الإيراني على الكعكة السورية .

وإضافة إلى اتفاق استثمار إيران لمناجم الفوسفات في سوريا، وقعت طهران مع دمشق مذكرات للتعاون الاقتصادي شملت تأسيس شركة للهاتف الجوال في سوريا والسيطرة على أراضٍ زراعية وتأسيس ميناء صغير لتصدير النفط في بانياس على البحر المتوسط ، لكن دمشق تريثت في تنفيذ المذكرات وسط تسريع التعاون مع روسيا ، خصوصاً في مجالات الفوسفات والنفط واستثمار قاعدتي طرطوس وحميميم غرب سوريا.  وربما ما خفي كان أعظم فيما يتعلق بإعادة الإعمار ، والتنافس عليها بين روسيا وإيران والدول المتدخلة والفاعلة الأخرى في المسألة السورية ، لأن حكومة دمشق للأسف الشديد لا تتعامل بشفافية مع هذا الملف ، وهذا ما بدا واضحاً مثلاً في التقييمات المتناقضة ، التي أبداها الجانبان ، لعقد تأجير مرفأ طرطوس للشركة الروسية .

من الواضح من خلال الصراع التنافسي بين روسيا وإيران ، وكلاهما حلفاء النظام السوري ، وتجمعهما علاقات جيوسياسية واقتصادية في منطقة الشرق الأوسط والأدنى وقزوين  ، أن هذا الصراع في سورية ينشأ كحالة طبيعية في لعبة المصالح بين الأصدقاء ، ومن جهة أخرى تفرضه طبيعة الصراع والقوى الفاعلة فيه ، حيث تتداخل في اللعبة مصالح الأعداء ، لأن المصالح من وجهة نظر الدول نسبية ولا نهائية . ويتولد عنها نتائج ربما لم تكن في حسبانها . ويبدو أن ثمة توافق بين جميع الدول الفاعلة والأطراف الداخلية المتصارعة على أن روسيا رغم مشروعها الراديكالي لبعث الحياة في إمبراطوريتها الميتة بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي هي أخف وطأة في سورية من المشروع الإيراني الراديكالي وطموحاته الإمبراطورية في المنطقة من جبال كابول الباردة شرقاً حتى شواطئ بيروت الدافئة غرباً . ولم يعد يعني كثيراً ، في الجيوبوليتك الدولي ، حلم روسيا التاريخي في الوصول إلى المياه الدافئة ، طالما تتقاطع مصالح الأعداء وتتناقض مصالح الأصدقاء على أرض سورية التي ، في الجيوبوليتك الدولي أيضاً ، هي قلب العالم الذي يتجاور مع رئته إسرائيل ، وخاصة أن الجميع ، ربما باستثناء إيران  ، ذاهب إلى صفقة القرن بين الفلسطينيين وإسرائيل مقابل الكراسي .

ومن جهة أخرى ، إن قطع الطريق أمام المشروع الإيراني ـ الهلال الشيعي ـ من قبل روسيا بالتنسيق مع أمريكا وإسرائيل فيه فائدة لقضايا المنطقة الأخرى وخاصة القضية الكردية في إقليم كردستان العراق وفي الإدارة الذاتية شمال شرق سورية . فروسيا قد تتفهم بعض القضايا والمصالح الكردية في إطار تفاهم دولي وإقليمي ، لكن إيران ، ولديها قضية كردية وقضايا أقليات أثنية أخرى ، لايمكن أن تتفهمها ، بل ربما قد تعمل ضدها بالتوافق مع دول إقليمية لديها القضايا نفسها . كما أن روسيا قد تتفهم الهواجس الأمنية التركية ومصالحها في سورية ، وربما تذهب ، أكثر من ايران ، إلى حلول وتسويات في سورية تؤمن مصالح تركيا وحلفائها من الأطراف السورية المعارضة للنظام ، ويأتي في هذا السياق إبعاد إيران وتوابعها عن معركة إدلب ، التي تقودها روسيا وتوابعها ، عدا عن تفهمها لمقتضيات التغيير ، الجزئي ، في شكل وجوهر الحكم في سورية في أية تسوية سياسية للمسألة السورية ، بينما تعارضه إيران بشدة ، بل تعمل على عرقلته وتعطيله . ويبقى في النهاية أن روسيا تتفوق على إيران بالقوة وبالعلاقات المتينة أو المتكافئة مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وإسرائيل ، وبالتفاهم معها ، مما يسمح لها باقصاء إيران عن المشهد السوري وتقوية مراكزها في النظام السوري على حساب مراكز إيران قبل إخراج أية تسوية أو حل مع شريكتها ، في الجيوبوليتيك الدولي ، الولايات المتحدة الأمريكية ، التي طالما سهلت لها الوصول إلى المياه الدافئة الملاصقة جداً لإسرائيل والامساك بالملف السوري . وحتى ذلك الحين سوف يشتد الصراع التنافسي بين روسيا وإيران في سورية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً ، إلا أنه يبقى السؤال الأبرز : إلى أي مدى يستطيع الرئيس السوري بشار الأسد الاستمرار بمسك العصا من نصفها لموازنة العلاقات بين حليفيه ، روسيا وإيران ، أم ستتحول صداقتهما في صراع  المصالح إلى عداوة ؟؟.

هوامش

1 – صحيفة الغربال ، عن صحيفة الشرق الأوسط

. روسيا تنافس ايران على إعمار سورية

https://www.algherbal.com/archives

2- المرجع نفسه

3 – المرجع نفسه

4 – المرجع نفسه

5ـ صحيفة المرصد

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة