دراسة.. تركيا.. دلالات الاستغلال للقضية الفلسطينية

img

محمود البتاكوشي رئيس شعبة الدراسات التركية

تجيد تركيا دوما استخدام أوراق اللعب المختلفة، طالما تحقق أهدافها وأحلامها، وتتجلي انتهازيتها بوضوح في القضية الفلسطينة، التى كانت دوما بالنسبة لها
وسيلة ضغط تستخدمها في علاقاتها مع اسرائيل، فالموقف التركي من حركات المقاومة الفلسطينية الرافضة للاحتلال الإسرائيلي يحكمه دائماً عدة عوامل أبرزها: حفاظ أنقرة على قربها من الدول الغربية لاسيما وأن أنقرة عضو في حلف الناتو وبالتالي تفادي أي تأييد كي لا يغضب أمريكا مثلاً، وثانياً فيما يتعلق بالأمن القومي التركي فإسرائيل أدانت عمليات حزب العمال الكردستاني في تركيا، وقدمت إبان اجتياح لبنان عام 1982 معلومات لأنقرة عن قيام فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بتدريب مقاتلين أكراد وأرمن في معسكراتهم في لبنان.
التاريخ يذخر بالمواقف المشينة التى تصل إلى حد الخيانة والخذلان، منذ عهد الدولة العثمانية، التى حاولت كذبا تصدير نفسها على أنها حامى العروبة الإسلام، لكنها في سبيل مصالح ضيقة ونزوات سلاطينها منحت اليهود تسهيلات وامتيازات كبيرة أدت في النهاية إلى فاجعة فلسطين، التى يعاني منها الوطن العربي حتى الأن إذا كانت سببا في وجود السرطان الإسرائيلي في المنطقة.

علاقات تاريخية راسخة

مخطئ من يتصور أن العلاقة بين تركيا وإسرائيل قد يصيبها التوتر أو الفتور رغم ما يحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إظهاره من حين إلى أخر، ففي الوقت الذي يتظاهر فيه بمعاداة بلاده الاعتداءات الإسرائيلية السافرة على الشعب الفلسطينى الأعزل في محاولة مفضوحة منه لتسويق نفسه كخليفة للمسلمين وحامي حمى الديار الإسلامية، تكشف ستره وزيف مواقفه الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارتي التجارة في البلدين، إذ تشير إلى ارتفاع نسبة الصادرات بين أنقرة وتل أبيب بواقع 3 أضعاف في عهد أردوغان منذ توليه الحكم عام 2002، بينما ارتفعت بواقع 1.8 ضعف ما كانت عليه.
كما جاءت إسرائيل في المرتبة العاشرة كأكبر أسواق الصادرات التركية في عام 2017، حيث اشترت سلعا بحوالي 3,4 مليار دولار تقريباً.
واحتلت الخطوط الجوية التركية المركز الأول بين شركات الطيران والخطوط الجوية التي تتعامل مع إسرائيل، حيث وصل عدد المسافرين بواسطة الخطوط الجوية التركية إلى إسرائيل خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2018 إلى مليون و413 ألف مسافر، بزيادة قدرها 8.61% عن العام 2017.
كما أظهر التقرير السنوي للعام 2017 الصادر عن دائرة الإحصاء التركية والمنشور في أبريل 2018 أن تركيا تعد الدولة الأولى في تصدير الإسمنت والحديد لإسرائيل، حيث صدرت 45% من إجمالي ما استوردته إسرائيل من الحديد، و59% من إجمالي ما استوردته من الأسمنت، وهما مادتان أساسيتان في بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأكبر دليل على أكاذيب أردوغان ما كشفته صحيفة الجمهورية التركية، إذ أكدت وجود مباحثات على أعلى مستوى بين أردوغان ونتنياهو، بشأن صفقة نقل النفط من شمال العراق إلى الموانئ الإسرائيلية عبر تركيا تقدر بعدة مئات مئات الملايين من الدولارات، رغم الاحتجاجات التركية على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الذي أودى بحياة 60 شهيدا فلسطينيا، وإصابة 250 آخرين، كانوا يتظاهرون بالقرب من الخط الفاصل بين القطاع المُحاصر والأراضي الفلسطينية المحتلة تنديدا بنقل مقر السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وطلبها في منتصف مايو الماضي عودة السفير الإسرائيلي إلى بلاده بصورة مؤقتة.

5 قرون من خيانة فلسطين

المتابع للشأن التركي يجد أن خيانة أنقرة للقضية الفلسطينية ليست وليدة اللحظة لكنها تعود إلي الدولة العثمانية، وتحديدا فى أوائل القرن السادس عشر، حينما تولى السلطان سليمان القانونى الخلافة العثمانية سنة 1520 وتزوج بعدها زوجته «روكسانة» اليهودية الأصل، والتى كانت تدير بالفعل الخلافة العثمانية، وبفضلها سمح لليهود بالتمكن من الدولة العثمانية وتكوين ما يشبه اللوبى الصهيونى واستطاعت أن تعطى الحق لليهود المهاجرين للدولة العثمانية فتمركزوا فى مدينة «سالونيك» ليشكلوا فيما بعد ما يسمى فى التاريخ بتكتل «يهود الدونمة»، تحت زعامة اليهودى المتلون «سباتاى زيفى» رئيس حجاب السلطان وأمين بوابته الملكية الذى يعد أول من دعا لإنشاء دولة لليهود فى «أرض الميعاد» بفلسطين، وهو بذلك يسبق زعيم الصهيونية العالمى تيودور هرتزل بقرون.
استمر يهود الدونمة فى التوغل داخل السلطنة العثمانية، بدأ الخطر فى الظهور حينما تولى السلطان عبدالحميد الثانى الخلافة، لأنها شهدت وبوضوح ظهور أنياب الصهيونية العالمية فى جسد العالم الإسلامى، فتح الباب أمام التدخلات الصهيونية فى البلاد، وهنا يبرز اسم «هرتزل» زعيم الحركة الصهيونية العالمية ومحاولاته لإقناع السلطان عبدالحميد بالتنازل لليهود عن أرض فلسطين، حيث كان زعيم الصهيونية العالمية صديقا مقربا لفنيولنسكى صديق السلطان العثمانى المقرب، الذى مهد الجو أمامه بأن يتحدث مع عبدالحميد مباشرة عن عرض هرتزل المتضمن تقديم يهود العالم مساعدة مالية لتركيا لكى تخرج من ضائقتها المالية مقابل التنازل عن فلسطين، وهو العرض الذى رفضه عبدالحميد، لكنه لم يغلق هذا الباب تماما بدليل أن هرتزل أعاد المحاولة عدة مرات.
ظلت الصهيونية العالمية تطرق أبواب السلطنة حتى استطاعت الدخول ولكن عبر الباب الخلفى الذى صنعوه فى مدينة «سالونيك» التركية التى كانت مركزا لليهود فى قلب الخلافة والتى ستصبح بعد ذلك أهم مراكز صنع القرار فى الخلافة العثمانية عن طريق جمعية الاتحاد والترقى التى تعد الأب الروحى لتركيا الحديثة التى يفتخر بها أردوغان والإخوان المسلمين على حد سواء.

وبحسب ما نشرته صحيفة التايمز الأمريكية فى 1911 فإن: «جمعية الاتحاد والترقي تكونت تحت رعاية ماسونية بمعاضدة اليهود والدونمة فى تركيا وكان مركزهم فى سالونيك، وأن يهودا مثل قرة صو وسالم وفارجى ومازلياح، ومن الدونمة مثل جاويد وأسرة بالجى، قد أدوا دورا فى تنظيم اللجنة المذكورة».

ووصل اختراق اليهود لتركيا إلى أن طلعت بك الذى أصبح وزيرًا للداخلية ثم رئيسا للوزراء على عهد الاتحاد والترقى كان منتميا إلى محفل المشرق الأعظم الماسونى ورقى إلى عدة درجات فى ذلك المحفل، وكان يتقاضى منه راتبا شهريا مقداره عشر ليرات إنجليزية، كما أنه من أصل غجرى وتعلم اللغة الفرنسية فى مدرسة الاتحاد اليهودى قبل أن يصبح بالكتاب فى ولاية سالونيك واعترف قره صو أحد أعضاء الاتحاد والترقى بماسونيته هو وزميله طلعت بك، ومما له دلالة فى هذا الصدد أن الاتحاديين عندما أبلغوا السلطان عبدالحميد بقرار خلعه أشار السلطان إلى قرة صو وكان واحداً من أعضاء الوفد الذى أبلغ السلطان بقرار الخلع، فقال عبدالحميد: «ما عمل هذا اليهودى فى مقام الخلافة؟».
فى هذه الأثناء كان «هرتزل» يعمل فى الخفاء لتوحيد العالم حول فكرة الدولة الصهوينة حتى تكللت تلك المجهودات فى عام 1900 بتأييد ستين من مرشحى مجلس العموم البريطانى للحركة الصهيونية، وما إن انقضت السنوات الثلاث الأولى من الحرب العالمية الأولى حتى بدأت الحركة الصهيونية تقطف أولى ثمار نشاطاتها على الصعيد الأوروبى، إذ حصلت من الحكومة البريطانية على وعد بلفور عام 1917 الذى قدمت فيه بريطانيا فلسطين على طبق من ذهب لجعلها الوطن القومى لليهود، ومنذ تلك اللحظة ب

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة