دراسة .. الوجود التركي في أفريقيا .. السودان ” نموذجًا “

img

 آيه خطيب عطا الله نصر- باحثة بالشئون الافريقية 

مقدمه

اتبعت تركيا فى سياستها على الانفتاح نحو افريقيا سياسة منظمة و سريعة فى نفس الوقت.لادراكها مدى اهمية القارة الافريقية الغنية بالموارد الطبيعية و ذات الموقع الجيوستراتيجي الهام و ذلك نظرا لحاجتها للقارة فى تقوية اقتصادها و توسيعه وللاستفادة من مصادر الطاقة بها. بالاضافة الى محاولتها اعادة سياسة العثمانية الجديدة لكي تلعب دور فعال اقليميا و دوليا ادركت ان القارة الافريقية ستلعب دور فى دعم السياسة الخارجية التركية. و من ثم تمكنت تركيا من وضع مكان لها في القارة الافريقية في فترة قصيرة، بل انها اتجهت الى انشاء قواعد عسكرية تابعة لها فى الصومال و سواكن السودانية.

اولا: الوجود التركي فى افريقيا

لقد ركزت السياسة الخارجية التركيه على التوجه نحو افريقيا منذ وصول حزب العدالة و التنمية الى الحكم عام 2002 لكى تستعيد مكانتها الاقليمية و الدولية التى فقدتها منذ انهيار السلطنة العثمانية. فبعد سقوط السلطنة العثمانية و قيام الجمهورية التركية الحديثة لم يكن هناك دور تركي يذكر في افريقيا سوي افتتاح سفارة انقرة في اديس ابابا 1926. لكن بعد رفض الاتحاد الاوروبي ضم تركيا اليه عام 1998 بدأت تركيا تتجه لسياسة الانفتاح نحو افريقيا و تصاعد هذا الانفتاح بوصول حزب العدالة و التنمية للسلطة نظرا للايديولوجية التي يتبعها الحزب حيث يسعي الى اعادة الارث العثماني تحت مسمي العثمانية الجديدة و من ثم عمل على استعادة دور تركيا الاقليمي و الدولي و علي جعلها من اقوي الاقتصاديات في العالم و من ثم تقوم السياسة الخارجية التركية على انها دولة مركزية و فاعل دولي وانها دولة متعددة الاحواض القارية مما يتيح لها عمق استراتيجي في القارة الافريقية. بالاضافة الى ان افريقيا قارة كبيرة و غنية بالموارد و الثروات و بها اقتصادات اسرع نموا خاصة فى منطقة غرب افريقيا مما يجعلها جاذبة للاستثمار. لذلك اعلنت تركيا ان عام 2005 هو ” عام افريقيا ” . و قام اردوغان ب30 رحلة الى 23 دولة افريقيه عندما كان رئيس للوزراء ذاك العام. و بالفعل نجحت تركيا فى اعادة العلاقات مع افريقيا من خلال عقد قمة تركية افريقية عام 2008 كانت  بمثابة نقطة انطلاق للتعاون بينهم  و تم وصف تركيا بها كحليف استراتيجي كما تم منح تركيا صفة الشريك الاستراتيجي للاتحاد الافريقي غي نفس العام. و تعهدت بدفع مليون دولار سنويا لنشاطها. كما حصلت على صفة مراقب في جميع التكتلات الاقتصادية الاقليمية ( الجماعة اللاقتصادية غرب افريقيا ” الايكواس” و اللسوق المشتركة لدول شرق و جنوب افريقيا ” الكوميسا” و تجمع شرق افريقيا “اياك” ). كما اصبحت عضو غير اقليمي في بنك التنمية الافريقي فى عام 2008. و كانت زيارته الاخيرة لافريقيا فى اواخر عام 2017 و التى زار فيها موزمبيق و مدغشقر و تنزانيا ختاما بالسودان و تشاد و تونس وقد تم التركيز في تلك الزيارات على تعزيز العلاقات مع الدول الافريقية خاصة على الجانب الاقتصادى و التجاري، حيث زاد حجم التبادل التجاري الى 93.5 مليار دولار في الفترة من 2012 الي 2016.

اما على المستوى الدبلوماسي فقد تزايد عدد السفارات التركيه في افريقيا الي 34 سفارة في عام 2015. و تعمل تركيا حاليا على ان يكون لها سفارة في كل الدول الافريقية. و تستخدم تركيا سياسة ناعمة تجاه الدول الافريقية حيث تقدم المساعدات التنموية و الانسانية للقارة من خلال تنفيذ العديد من المشروعات التنموية و قد تجاوز حجم المساعدات التنموية التى تقدمها تركيا  اعتبارا من بداية 2016 أكثر من 2.3 مليار دولا. كما انها تساهم فى قوات حفظ السلام فى القارة.

نلاحظ ان الوجود التركي فى افريقيا منظم و مرتب فهي تسعي الي اهداف محددة كان الغالب عليها الجانب الاقتصادى نظرا لحاجتها لمصادر الطاقة و لتوسيع اقتصادها من خلال الاستثمار فى الدول الافريقية. كما يتضح انها بادرت بالجانب الانساني من خلال المساعدات الانسانية التى تقدمها لدول القارة. لكنها من الناحية السياسية تحاول تركيا لعب دور اقليمي فعال فى القارة خاصة فى ظل تراجع  دور القوي الكبري الاستعمارية سابقة و بروز ادوار قوي اقليمية تحاول وضع نفسها على دائرة التأثير العالمي. و قد تصاعد الوجود التركي فى القارة بانشاء قاعدة عسكرية فى الصومال عام 2017 لتأمين مصالحها فى القارة و قد اختارت الصومال خاصة نظرا لاهميتها الحيوية فى منطقة القرن الافريقي، لموقعها الاستراتيجي على البحر الاحمر و مضيق باب المندب و خليج عدن و من ثم فهي ممر رئيسي للتجارة العالمية.بالاضافة الى ان الصومال تعتبر مدخل لدول منابع النيل كاثيوبيا و السودان و هما دول شديدة الاهمية بالنسبة لمصر بالنسبة لقضية الامن المائي المصري، وبالفعل ركزت تركيا على تعزيز العلاقات مع اثيوبيا و السودان و وصلت الى حد تخصيص السودان جزيرة سواكن على البحر الاحمر لتركيا لادارتها و لانشاء قاعدة عسكرية بها.

ثانيا: العلاقات الاقتصادية بين تركيا و افريقيا

ركزت تركيا في بداية تواجدها في افريقيا على دول شمال افريقيا نظرا لقربها الجغرافي و الثقافي و التاريخي و الديني و ارتفعت الصادرات التركية مع دول شمال افريقيا الى 13 مليار دولار عام 2015. ثم توجهت االى دول جنوب الصحراء فبلغ حجم الصادرات التركية 4 مليار دولار فى عام 2015 بعدما كان 750 مليون دولار فى 2004. وتهدف تركيا حاليا الى رفع حجم التبادل التجاري مع دول جنوب الصحراء الى 50 مليار دولار. اما بالنسبة لدول شرق افريقيا، فتحاول تركيا التركيز عليها نظرا لاهميتها الفائقة اقتصاديا و سياسيا فهي ساحة للتنافس الدولي و ممر رئيسي للتجارة و تعاني من الارهاب و الصراعات. و كان الرئيس اردوغان من لفت النظر الدولي الي المأساة الانسانية فى الصومال عام 2011، فى الوقت الذي انشغل فيه العالم بثورات الربيع العربي. و اقامت تركيا سفارة فى مقديشيو و قدمت العديد من المساعدات الانسانية.

لقد تزايدت العلاقات التركية الافريقية على الجانب الاقتصادى في عام 2016، حيث تم اقامة اول منتدى اعمال افريقي تركي في انقرة، شارك به 3000 شخص و منهم 2000 يمثلون المجتمع الاقتصادى الافريقي ل 45 دولة افريقية، و تم توقيع العديد من الاتفاقيات مع جنوب افريقيا و نيجيريا و كينيا و غانا و زامبيا و تنزانيا و غيرها. و قد جاء ذلك بعد محاولة الانقلاب على اردوغان و من ثم يتضح ان افريقيا على قمة اولويات السياسة التركية.

ثالثا: السودان نموذجا

تري تركيا ان السودان لها اهمية كبيرة و تعتبرها باب لافريقيا نظرا لموقع السودان الذي يرتبط بسبع دول افريقية بحدود مشتركة مما يمكن تركيا من الانفتاح على افريقيا.بالاضافة الى علاقة السودان بالدول الاسلامية و عضويتها فى منظمة التعاون الاسلامي و من ثم تساعد تركيا على تعزيز علاقاتها بالدول الاسلامية و العربية التى على علاقة طيبة بالسودان.كما ان السودان مليئة بالموارد الطبيعية مما يجعل تركيا تركز علي الاستثمار الاقتصادى و التجاري معها.يضاف الى ذلك التقارب الايديولوجي بين حزب العدالة و التنمية فى تركيا و نظيره الاتحاد الوطني فى السودان مما يسهم فى تعزيز العلاقات بين البلدين. و قد جاءت زيارة الرئيس التركي اردوغان الى السودان فى اواخر 2017 للعمل على تقوية العلاقات مع السودان على الجانب الاقتصادى و العسكري ايضا.

1- الاتفاقيات الاقتصادية

لقد رافق اردوغان فى زيارته للسودان 200 من رجال. و وقعت الحكومتين على اثنتي عشرة اتفاقية  بالاضافة الى تسع اتفاقيات بين القطاع الخاص. و من ضمن هذه الاتفاقيات صفقة لانشاء مطار جديد فى السودان. وكانت ابرز اتفاقية هى الاعلان المشترك عن ” برنامج التعاون الاستراتيجي” تميهدا لتأسيس المجلس الاعلى للتعاون الاستراتيجي لتطوير التعاون الثنائي للدولتين اقليميا و دوليا. و تتضمن مجالات المجلس التعاون الاستراتيجي فى السياسة و الدفاع و الجيش و الامن و الشئون الداخلية و الاقتصاد و التجارة و الطاقة و النقل و الزراعة و الصحة و السياحة و التعليم و الثقافة و العلوم و المساعدات الانسانية و التنموية و التعاون الاقليم فى افريقيا. كما تم الاتفاق على إطار مؤسسي لتأسيس لجان مختصة لمتابعة تنفيذ هذه الاتفاقيات.و تم توقيع اتفاقية شراكة اقتصادية بين البلدين و كان قد ثار جدلا حول هذه الاتفاقية لمطالبة اردوغان بامتيازات جمركية لصادرات تركيا الى السودان و قد استجاب له البشير.

2- التعاون العسكري

لقد بدأ التعاون العسكري بين السودان و تركيا فى مارس 2013 فى عهد الرئيس التركي السابق عبد الله غول, من خلال اتفاق اطاري مع السودان بسأن التدريب العسكري و التعاون التقني و العلمي للقوات العسكرية. ثم تم اجراء تدريبات مشتركة للقوات البحرية التركية و السودانية عام 2014. بالاضافة الى التوقيع على عدد من اتفاقيات التعاون فى مجالات التدريب العسكري و الصناعات الدفاعية فى 2017. و توسع ذلك التعاون بالاتفاق على انشاء قاعدة عسكرية تركية فى سواكن بعد زيارة اردوغان الاخيرة للسودان.

القاعدة العسكرية فى سواكن

تم الاتفاق على تخصيص شبه جزيرة سواكن الواقعة شمال شرق السودان على ساحل البحر الاحمر لتركيا لادارتها و لاعادة تأهيل الاثار العثمانية بها. و تريد تركيا بتلك الصفقة تعزيز حضورها فى البحر الاحمر لاهميته كممر رئيسي للتجارة بين دول شرق اسيا مع اوروبا و لكونه ممر حيوي لعبور حوالي 3.3 مليون برميل من النفط يوميا. كما أن ميناء سواكن من اقرب الموانئ الى مدينة جدة السعودية مما يؤثر على الامن القومي السعودى. و يؤثر على العلاقات السودانية مع السعودية، فالسودان بتقاربها مع تركيا يؤثر سلبيا على علاقتهابمحور السعودية و الامارات و مصر.

خاتمه

يتضح مما سبق ان السياسة التى تتبعه تركيا تجاه افريقيا غلب عليها الطابع الاقتصادي بداية و التى اتبعت فيها سياسة الربح المتبادل للطرفين. و تسللت تركيا فى افريقيا من خلال تقديم المساعدات الانسانية و التنموية و يتضح انها تسير وفق خطي مرتبة و منظمة و تسعي لاهداف اخري غير الاقتصادية، و واتضح ذلك بانشاء ققواعد عسكرية فى الصومال و سواكن السودانية فهى تريد ان تكون فاعله فى منطقة البحر الاحمر نظرا لاهميتها الاستراتيجية و الاقتصادية و التجارية و تريد ان تكون منافس  اقليمي قوي فى تلك المنطقة فى ظل التنافس الدولي و الاقليمي عليها. لكن يؤثر الوجود التركي على الامن القومي العربي فى افريقيا و خاصة فى البحر الاحمر لقربه من السعودية و يؤثر ايضا على الامن القومي المائي المصري، فالسودان فاعل اساسي فى ازمة سد النهضة و من ثم فالتقارب التركي السوداني يؤثر على مسار القضية، خاصة فى ظل معارضة النظام التركي للنظام المصري. و بالفعل كان عام 2017 عام الازمة بين مصر و الخرطوم حيث أيدت السودان انشاء السد الاثيوبي و اثارت قضية  حلايب و شلاتين. و من ثم لابد لمصر من التقارب مع الجانب السوداني و تحسين العلاقات معها و ان تنفتح على القارة الافريقية لمواجهة تنامي الدور التركي بها

 

المراجع

1- أحمد رمضان، السياسة الخارجية التركية تجاه افريقيا منذ 2002, (رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، معهد البحوث و الدراسات الافريقية)، 2016.

2_ أحمد ساعد، أفريقيا و تركيا و الشراكة الاستراتيجية, مدونات الجزيرة، 11 يناير 2018.http://blogs.aljazeera.net/blogs/

3_ اشراقة عباس, تركيا تهتم بالسودان لاكثر من سبب, موقع النيلين, 24 ديسمبر 2017.https://www.alnilin.com/12909413.htm

4- أمين محمد حبلا، هل دخلت تركيا حلبة الصراع على القارة السمراء، الجزيرة، 28 فبراير 2018.http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2018/2/28

4_ أمانى الطويل، 2017 عام الازمة بين القاهرة و دارفور، التقرير الاستراتيجي الافريقي، الاصدار 11، 2016_ 2017.

5- بهاء الدين كونول، اردوغان الاكثر زيارة لافريقيا بين رؤساء العالم، العربية، 25 ديسمبر 2017.https://www.aa.com.tr/ar

6_ خالد التيجانى، الاتفاقات السودانية التركية: الدلالات و الابعاد, مركز الجزيرة للدراسات، 1 فبراير 2018.

7_ محمود زكريا ابراهيم، العلاقات السياسية التركية الافريقية : المحددات و القضايا، مدرس مساعد، معهد البحوث و الدراسات الافريقية ، جامعة القاهرة،

8_ محمد مصطفي جامع،قاعدة عسكرية تركية فى السودان..هل فارقت الخرطوم محور الرياض ابو ظبي؟,ن بوست، 27 ديسمبر 2017.http://www.noonpost.org/content/21344

9_ محمد سليمان الزواوي، أبعاد الدور التركي فى افريقيا و اثاره, قراءات افريقية، 1 مارس 2016.http://www.qiraatafrican.com/home/new

10_ نرمين محمد توفيق، التحركات التركية في القارة الافريقية: الصومال نموذجا,التقرير الاستراتيجي الافريقي، الاصدار 11، 2016_ 2017.

11_ على نور صلاد، تركيا و القرن الافريقي.. تهديد الامن القومي العربي, سكاي نيوز العربية، 10 فبراير 2015.https://www.skynewsarabia.com/middle-east

 

 

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة